فيليب جونسون على شاشة التلفاز

بياتريس كولومينا



Colomina, Beatriz. “Johnson on TV.” Philip Johnson: The Constancy of Change, edited by Emmanuel Petit, Yale University Press, in association with the Yale University School of Architecture, 2009, pp. 68–79

تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.

©
بيت فارنزوورث، ميز فان دير روهه. 1945 - 1951 ، بلانو- ولاية إلينوي

البيت الزجاجي، فيليب جونسون. 1949 ، نيو كانن - ولاية كنيتيكت

جناح رابطة حرفيي الزجاج قيد الإنشاء، برونو تاوت. نيسان/أبريل 1914 .

تلفازٌ وبيتٌ من الزجاج الخالص، حُلمان مُلحان من أحلام القرن العشرين، شاءت الأقدار أن يتحققا معاً في ذات البقعة والحقبة: الريف الأميركي أواسط القرن العشرين. طوال القرن التاسع عشر ستخلب تجارب وخيالات الزجاج ألباب كتاب الخيال العلمي، كما ستطبع ذائقة المعماريين الحداثيين على السواء. إلا أن هذه التجارب والخيالات لن تكون قابلة للسكن قبل انتصاف القرن العشرين مع بيت فارنزورث لميز فان دير روهه في بلانو بولاية إلينوي وبيت الزجاج لفيليب جونسون في نيو كانن بولاية كنيتيكت. كحوامة فضائية هبطت لتوها، يطفو بيت فارنزورث فوق سطح الأرض بقليل، بينما يربض بيت الزجاج على مرسىً صلب يبدو حيناً كبساط سحري، وحيناً كـ"طوف عائم" بحد وصف جونسون. ما تم تجربته مراراً بالرسومات والنماذج المعمارية والكتابات والمعارض تحول أخيراً إلى بناء نفعي. يصفه لوي كان في مقابلة تلفزيونية مع فيليب جونسون قائلاً "بيت الزجاج بناء مدهش. هو تعبير بليغ عما كان يدور في الأذهان في حينه. كان صورةً لماأرادت العمارة الحديثة دائماً أن تكونه." كان البيت إذاً صورةً ذهنية، ولاحقاً فوتوغرافية، لما جال بخواطر الجميع. كان حلماً تجسد: الشفافية التي يمكن أخيراً سكناها.


كان بيت الزجاج تحققاً لحلم العمارة الشفافة والذي طال انتظاره قرناً من الزمن. بين رؤىً لمستقبل تكتمل مثاليته ببيوت شفافة في روايات باول شيربارت الخيالية ولاسيما مجموعته القصصية "العمارة الزجاجية" التي تعود للعام 1914 والمهداة شخصياً إلى المعماري الألماني برونو تاوت، وصولاً إلى تصميمات تاوت نفسه لجناح رابطة حرفيي الزجاج ضمن معرض الرابطة بمدينة كولن في العام نفسه. وحتى في أعمال ميز فان دير روهه المبكرة و من بينها القمرة الزجاجية بمنزل ليلي رايش بشتوتغارت (1927) والجناح الألماني بالمعرض الدولي ببرشلونة (1929) ومشروعه التخيلي "بيت زجاجي على سفح الجبل" (1934). كذلك يبدو أثر الحلم نفسه جلياً في كل من "منزل الغد" و"بيت الكرستال" لجورج فردكيك والذي لا يبنغي أن يمر دون أن نلحظ سيارة باكمنستر فولر "دايماكسيون" في مرأبه في صورة فوتوغرافية شهيرة. وقد قام فردكيك بتصميم المنزلين ضمن معرض "قرن من التطور" بمدينة شيكاغو بين عامي 1933-1934.


في العام 1949 تحقق هذا الحلم ببيت لا يحده سوى الزجاج، أو بالأحرى لا يحده سوى غياب الحوائط برمتها. كان غياب الحوائط التقليدية يعني انكشاف سكان البيت على من هم خارجه. يقول محرر دانمركي في سنوات ما بعد الحرب: "تشير بيوت الزجاج تلك إلى شعور أكبر بالأمان عند أصحابها. إذا أنهم حتماً في غنى عن الاحتماء بحوائط الحجر." أو بحسب قول جونسون نفسه في العام 1965 في برنامجه التلفزيوني الشهير "هذا هو فيليب جونسون" على محطة سي بي إس: "كانت تلك فرصة للعيش وسط الغابات... فالحائط هو مجرد فكرة في رأسك. مجرد شعورك بالاحتواء يعني أنك في غرفة." ورداً على السؤال المتكرر عما إذا كان بيته الزجاجي بمثابة دورق شفاف يكشف ستره على العالم، كان يرد قائلاً أنه ولستة عشر عاماً مضت ومنذ سكن ذلك البيت لم ير من يلصق أنفه بالزجاج لتقصي داخل البيت. "أظن أن الناس يخافون من أن يُروا وهم يتلصصون." فالبيت الزجاجي شفاف على الجهتين كما يقول الفنان دان غراهام في أبحاثه على المنزل في السبعينات.




ورداً على السؤال المتكرر عما إذا كان بيته الزجاجي بمثابة دورق شفاف يكشف ستره على العالم، كان يرد قائلاً أنه ولستة عشر عاماً مضت ومنذ سكن ذلك البيت لم ير من يلصق أنفه بالزجاج لتقصي داخل البيت. "أظن أن الناس يخافون من أن يُروا وهم يتلصصون."




في برنامج تلفزيوني آخر، يقول جونسون أن بيت الزجاج "رائعٌ حقاً، فالزجاج يبدو كما لو كان ورقاً للحائط. صحيح أنه ورق حائط باهظ الثمن، إلا أن تشكيلاته وألوانه تتغير كلما أعملت فيه نظرك. هو ورق حائط يضعك في قلب الطبيعة الخلابة." الزجاج إذاً في حالة جونسون يولد شعوراً بالاحتواء والإحاطة لا الانفتاح والشفافية: "بَنيت هذا البيت لوهلة قصيرة بعدما ألهمني ميز فان دير روهه ببيته الزجاجي الشهير قرب شيكاغو. انتهيت من إنشاء بيتي أولاً لذا يظن الناس إن بيتي هو الأصل، إلا أنه ليس كذلك. درست مخططات بيت فارنزورث أثناء عملي مع ميز وأستذكرتها جيداً... بالتأكيد هناك اختلافات... أردت أن أعيش على الأرض، أن أشعر بالاحتواء. فأنا لا أؤمن بالعمارة التي تذيب الفرق بين الداخل والخارج. ما يتوق إليه المرء هو منزل يكتنفه ويضمه إلى دفئه. هذا هو ما يتوق إليه كل امرئ أنغلوسكسوني. ربما لا يفهم الإيطاليون هذا، إلا أنه يعني لنا الكثير... هذا البيت يحيط بي. ولا مناص من أن أعترف أن الإحاطة هنا تظهر في إشارة صغيرة، شريط معدني أسود يسيج محيط البيت من الداخل ويحجز الطبيعة خارجه. هذا الشريط الصغير هو ما يحيل الزجاج إلى ورق حائط، باهظ الثمن دون شك، إلا أنه ورق حائط ترسم نقوشه النجوم والشمس والقمر."

«البيت الزجاجي» من تقرير لمجلة لايف، عدد أيلول/سبتمبر 1949
البيت الزجاجي، فيليب جونسون، 1949 - الصورة من تقرير لمجلة أركيتكشرال ريفيو عدد أيلول/سبتمبر 1950



في العام 1950 قدم المطورون العقاريون الأميركيون لزبائنهم جهاز تلفاز مثبت في حائط غرفة المعيشة داخل الوحدات السكنية الجاهزة المصممة على غرار المنزل الأميركي التقليدي، أصبح التلفاز جزءاً من عمارة البيت الأميركي.




«بيت جديد من 3 غرف مقابل 25 دولار أميركي » - دعاية لمجمع ليفيت تاون السكني من مجلة لايف (التاريخ غير محدد)

هذا الشعور بالاستغلاف الكامل هو ما يصنع العمارة الاختزالية عند حدها الأدنى: "إن كنت تعاين عملاً معمارياً جيداً، يجب أن يعتريك شعور بأنك محاطٌ من كل الجوانب." عوضاً عن زوال وجودها المادي ، يبدو الزجاج في بيت فيليب جونسون كما لو كان يكرس الدور التقليدي للعمارة. في المقابلة ذاتها يقول جونسون أن "العمارة هي ما يحيط بالفضاء. لذا أكره الصور الفوتوغرافية والتلفاز والرسوم المتحركة."


وصل التلفاز كذلك إلى الولايات المتحدة في منتصف القرن. بوصفه واحد من فانتازيات الخيال العلمي المستقبلية عُرض التلفاز للمرة الأولى في العام 1927، ما دفع باكمنستر فولر للقول بأن بيت الدايماكسيون، الذي كان قد انتهى من تصميمه في العام نفسه، إنما ينتظم حول تقنيات التواصل المتلفز. إدعى حينها فولر أن بيت الدايماكسيون سيأتي مزوداً بأجهزة هاتف وراديو وتلفاز وفونوغراف ودكتافون وسماعات وميكروفون وغيرها، وغني عن القول أن كثير من هذه الأجهزة لم يكن متاحاً للاستهلاك الجماهيري عام 1927، بل وسيُضطر الجمهور الأميركي للانتظار حتى أواخر الأربعينيات للحصول على تلفاز منزلي. في الولايات المتحدة حملت أجهزة التلفاز المنزلية الأولى في العام 1946 العلامات التجارية لشركتي دومونت وآر سي إيه وفي غضون عشر سنوات امتلكت اثنتان من كل ثلاث عائلات أميركية جهاز تلفاز. في العام 1950 قدم المطورون العقاريون لأشهر المجمعات السكنية بالضواحي الأميركية، ليفيت تاون، لزبائنهم جهاز تلفاز مثبت في حائط غرفة المعيشة داخل الوحدات السكنية الجاهزة المصممة على غرار المنزل الأميركي التقليدي المعروف باسم "كيب كود." أصبح التلفاز جزءاً من عمارة البيت الأميركي التقليدي.


للوهلة الأولى ربما يكون ذلك أبعد ما يكون عن عالم ميز فان دير روه وفنه المعماري الرفيع، إلا أن عدداً من تلاميذه ومعاونيه السابقين مثل إدوارد داكيت وجوزف فوجيكاوا أكدوا أن ميز أيضاً "كان لديه أكبر شاشة تلفاز يمكن امتلاكها في حينه. يُعتقد أن هيرب غرينوالد هو من ابتاعها له." وهيرب غرينوالد هو رجل دين يهودي انتقل لمجال التطوير العقاري والتقاه ميز فان دير روهه عام 1946. اشترك الرجلان في بناء عدد من المشروعات من بينها ليك شور درايف بشيكاغو وهو مشروع يتألف من برجين سكنيين من الصلب والزجاج يناهز كل منهما 25 طابقاً على شاطئ بحيرة ميشيغن. كان هذا المشروع بحسب أحد المراسلين، حلماً انتظره ميز لثلاثين عاماً "حلم عمارة لا تنطوي على ما هو أكثر من هيكل إنشائي وقشرة خارجية... أراد ميز أن يمنح سكان الحضر شعور العيش مع إطلالة على الخارج، وهو الشعور الذي يحظى به سكان الضواحي ممن يمتلكون نوافذاً كبيرة بكامل ارتفاع المنزل." يحمل ليك شور درايف حياة الضاحية إلى قلب المدينة، كما لو كان يراكب بيوت الضواحي واحداً فوق الآخر في برج سكني. تبدو شقق ليك شور درايف كما لو كانت بيوتاً زجاجية معلقة في الهواء، تكشف جدرانها الزجاجية مناظراً خلابة للبحيرة كما تحول كل بيت إلى واجهة للعرض. في المساء، تبدو الغرف الموزعة على الواجهة الزجاجية للبرجين كما لو كانت مصفوفة من مقاعد قاعة سينما رأسية يشاهد الجالسون فيه عرضاً ما في البرج الآخر. وكأنما تسترق كل غرفةٍ النظر إلى مثيلتها في المرآة. للمفارقة لم يؤرق ذلك سكان البرجين، الذين شعروا على العكس بـ"الاحتواء الكامل" على حد وصف أحدهم.

بيت الدايماكسيون، باكمنستر فولر. 1927 (المكان غير محدد)

إعلان عن تلفاز دومونت، مجلة برودكاستنغ مغازين، تموز/يوليو 1939


تبدو الغرف الموزعة على الواجهة الزجاجية لبرجي ليك شور درايف كما لو كانت كبائن سينما رأسية يشاهد الجالسون فيه عرضاً في البرج الآخر.



المنظر ليلاً من داخل إحدى الشقق ببناية 860 - 880 ليك شور درايف، ميز فان دير روهه. 1951 ، شيكاغو

مقابلة تلفزيونية لفيليب جونسون تحاوره روزموند برنير من داخل غاليري المنحوتات جوار المنزل الزجاجي، 1976.

بالمقابل، جاء البيت الزجاجي لفيليب جونسون، والذي بُني في وقت امتلك فيه أغلب الأميركيون جهاز تلفاز خاص، خالياً من أي تقنيات للتواصل. لن تقع عيناك على ثمة جهاز تلفاز في أي من البيوت التي صممها جونسون، بما فيها بيت هدجسون الذي يعود لمدير بمحطة سي بي إس الإخبارية. في إحدى مقابلاته المتلفزة يصر جونسون على أن البيت الزجاجي "خال من أي تلفاز أو هاتف أو غرامافون... أو أي مصدر للضوضاء." لا أثر لتقنيات التواصل الإعلامي في بيت صُمم بشكل أساسي كوسيط للتواصل الإعلامي. واقع الحال أن بيت جونسون يعمل كجهاز تلفاز كبير، ولا أقصد ذلك بالمعنى المباشر حيث يؤطر زجاج النوافذ المشاهد الخارجية كما تفعل شاشة التلفاز. فإن كانت بيوت الضواحي الأميركية خلال فترة ما بعد الحرب هي بمثابة أجهزة بث متلفز تنقل مشاهد الحياة العائلية المثالية إلى محيطها عبر نوافذ كبيرة، فإن بيت جونسون يفعل الأمر نفسه لكن براديكالية أكبر حين يحول الفضاء المنزلي إلى استوديو للبث المتلفز لبرنامج مقدمه هو فيليب جونسون نفسه.




ما لا يخبرنا به جونسون هو أن البيت الزجاجي هو منصته الخاصة، ليس فقط أمام الإعلام المعماري ودورياته المتخصصة، بل أمام الإعلام الجماهيري أيضاً، على صفحات مجلات فوغ ولوك وهاوس بيوتيفول وليديز هوم والنيويورك تايمز والنيوزويك والبزنس ويك وهاوس آند غاردن وشو مغازين وغيرها.




لم تنتظر الوجوه الإعلامية المعنية ببرامج التصميم والعناية المنزلية الأميركية طويلاً قبل أن تلتقط طرف الخيط. في الفترة نفسها استعملت مقدمة البرامج والإعلامية الأميركية مارتا ستوارت بيتها كستوديو للبث المتلفز، بل وامتلكت عقاراً كبيراً في مدينة وستبورت بولاية كنيتيكت، يضم سلسلةً من البيوت النموذجية المجهزة للتصوير والبث. وهي الطريقة نفسها التي اتبعها جونسون عندما صمم وبنى لنفسه عدداً من البيوت النموذجية كان كل منها موضوعاً لبرنامج متلفز. في كل مرة يخبو الوهج الإعلامي للبيت الزجاجي كان جونسون يسارع ببناء بيت آخر بجواره يفتح شهية الإعلام للجديد ويعيد القديم إلى دائرة الضوء عبر المقارنة. يقول جونسون "أبني البيت تلو الآخر كلما تداهمني الرغبة الملحة في تجربة شيء جديد. ينصب اهتمام الزبائن على البناء تقليدي ودورات المياه وغيرها من المرافق، ولا يطلبون سوى المألوف. لذا أجرب شيئاً جديداً كل خمس أو ست سنوات."


بُني البيت الزجاجي أولاً في العام 1949، وعُدل لاحقاً في العام 1953، ثم أضاف له جونسون الملحق المطل على البحيرة في العام 1962 "ولم ينتهي العمل على بركة السباحة وهي مكون أساسي ضمن المجموعة إلا عام 1963. في العام 1965 كان لدي صور أرغب بتعليقها وقررت أنها فرصة جيدة لتجربة بناء غالري لعرضها. لم أحبذ وضع الغالري بالقرب من البيت الزجاجي لذا أخفيته فيما يشبه الدُشمة الحربية. يظن الناس أن الغالري تحت الأرض إلا أنه ليس كذلك... في العام 1970 بنيت غالري آخر للمنحوتات. كنت متوقفاً عن البناء منذ فترة طويلة. وفي 1978 داهمتني الرغبة مجدداً وكان العقار المجاور مطروحاً للبيع فاشتريته وتوسعت." بُني الستوديو عام 1980 وبُني كل من نُصُب لنكولن كيرستاين والجناح المعروف باسم "غوست هاوس" عام 1985، بينما لم ينته العمل على جناح الزوار المُلقب بـ"دا مونستا"، أي "الوحش" بالأميركية الدارجة، قبل عام 1995.

غالري المنحوتات، فيليب جونسون. 1970 ، نيو كانن، ولاية كنيتيكت


واقع الحال أن بيت جونسون كان جهاز تلفاز كبير، ولا أقصد ذلك بالمعنى المباشر حيث يؤطر زجاج النوافذ المشاهد الخارجية كما تفعل شاشة التلفاز. بل أعني أن جونسون قد حول منزله حرفياً إلى ستوديو للبث المتلفز، يقدم منه برامجه التلفزيونية.



تقول الرواية الرسمية، كما يتداولها الباحثون المعماريون، أن البيت الزجاجي كان المعمل الخاص بتجارب فيليب جونسون. على حد قول جونسون نفسه "لا أعتبر بيتي مجرد منزل (رغم أني أسكنه) بل يتخطى الأمر ذلك لأن يكون مساحة لتصفية ذهني من الأفكار التي أقابلها في عملي أو أعمال الآخرين." ما لا يخبرنا به جونسون هو أن البيت الزجاجي هو منصته الخاصة، ليس فقط أمام الإعلام المعماري ودورياته المتخصصة، بل أمام الإعلام الجماهيري أيضاً، على صفحات مجلات فوغ ولوك وهاوس بيوتيفول وليديز هوم والنيويورك تايمز والنيوزويك والبزنس ويك وهاوس آند غاردن وشو مغازين وغيرها. حافظ جونسون كذلك على حضور منتظم بشكلٍ مدهش على شاشات التلفزة منذ ظهوره الأول عام 1951 على شاشة برنامج كار ستايل على محطة سي بي إس وصولاً إلى آخر مقابلاته المتلفزة مع تشارلي روز على شاشة بي بي إس عام 2005. في كل مرة كان البيت الزجاجي هو محور الحديث وكان كل حديث غيره فرصة لتجديد الحديث حوله. ما عساه أن يكون البيت الزجاجي إذاً؟


الوصف الأفضل يعود لجونسون الذي شبه بيته بـ"مصعد سماوي، يبدو كما لو كان يصعد بك لأعلى كلما تساقطت ندف الثلوج من السماء." كما الجالس بقطار ساكن، يتوهم الجالس داخل البيت الزجاجي حركة البيت كلما تحرك ما سواه. لكن على عكس القطار، أو ربما على عكس بيوت ميز فان دير روهه أو لوكوربوزييه ذات الفتحات الأفقية، يبدو بيت جونسون الزجاجي طافياً في الهواء دائماً على وشك الحركة لأعلي. عند هذه النقطة يبدو بيت جونسون مفارقاً لسابقيه، بل هو على حد وصف مايكل غريفز أكثر "ميزية"، نسبة إلى ميز فان دير روهه، من ميز نفسه.


من الطريف هنا العودة لإشارات جونسون المتكررة إلى قلقه من المصاعد، وكيف قد تمثل المصاعد نهاية محتملة للعمارة؛ نهاية اختبارنا للحركة في الفضاء. في معرض حديثه عن بناية سيغرام مثلاً يقول جونسون "لسوء الحظ تؤدي بك كل الطرق في سيغرام إلى المصعد... صندوق مغلق من رهاب الأماكن المغلقة يأتي على بهاء التجربة البصرية والفضائية الفريدة لهذا المبنى. الطريقة الوحيدة لاستعادة ذلك ثانية هي بالابتعاد عن المصعد والنظر عبر نافذة مطلة. أعلم أن المصاعد جاءت لتبقى، إلا أننا لسنا مجبرين على حبها." إلا أنه يعود لاحقاً في برنامج "هذا هو فيليب جونسون" ليعبر ردهة سيغرام مختالاً ليستقل المصعد! يضغط الأزرار مراراً بعصبية صاعداً إلى حيث مكتبه. يبدو رهاب جونسون من المصاعد أقل وطأة عندما يكون المصعد وسط الطبيعة، أي عندما يكون بيتاً زجاجياً، صندوقاً حراً، مصعداً زجاجياً مع أبواب على الجهات الأربعة. يبدو الآن الحاجز الشريطي الأسود أمام الزجاج من الداخل كما لو كان درابزين يتمسك به ركاب المصعد.

فيليب جونسون أمام جناح الزوار إلى جوار منزله الزجاجي في مشهد من وثائقي بعنوان Diary of an Eccentric Architect من إخراج باربرا وولف، 1995.




حافظ جونسون على حضور منتظم بشكلٍ مدهش على شاشة التلفزيون منذ ظهوره الأول عام 1951 على شاشة برنامج كار ستايل على محطة سي بي إس. وفي كل مرة كان البيت الزجاجي هو محور الحديث وكان كل حديث غيره فرصة لتجديد الحديث حوله.



بيت فارنزورث أثناء موسم الفيضان، 1951

في العام 1947 وفي كتابه عن أعمال ميز فان دير روهه الذي صدر على هامش معرض بمتحف الفن الحديث بنيويورك وصف جونسون بيت فارنزورث بـ"قفص طاف ومنغلق على نفسه." كما وصفه هنري راسل هتشكوك بـ"يخت راسٍ على الشاطئ" لا يحتمي راكبه بما هو أكثر من ستائر زجاجية ورصيف من بلاطات الترافرتين المعلقة في الهواء. تكرر وصف بيت فارنزورث على هذا النحو والاتساق في الإعلام الجماهيري، حتى أنه يمكننا أن نقع عليه في مقال بمجلة هاوس آند غاردن يصف البيت "بغلاف زجاجي يطفو في الهواء." التقط جونسون التشبيه نفسه ليصف بيته كطوفٍ عائم في البحر رغم قلقه أيضاً من البحر إلى جانب المصاعد "لا أحب العيش على الساحل. ليس من ثمة شي هناك، سوى قارب عابر ربما. في النهر الشرقي هناك الكثير من السفن الرائعة التي تمر بين الفينة والأخرى، أحب ذلك كثيراً. أما ساحل الأطلسي بالمقارنة فهو خواء تام لا أقدر على العيش معه. هناك الكثير من البيوت الزجاجية التي تواجه المحيط ويحبها الناس كثيراً. لكنني اعتقد أنه ليس من ثمة ما يمكن مشاهدته على ساحل المحيط."


فإذا كان بيت ميز يخت رسى على الشاطئ، فإن بيت جونسون ليس أقل من طوف يسبح وسط البحر. فالبيت الزجاجي، بحسب جونسون، صُمم كـ"صندوق صيني": "إذا فتحت الصندوق الأول، ستجد صندوقاً آخر بداخله. وإذا فتحت الثاني، ستجد ثالثاً بداخله وهكذا دواليك. أبدأ بغرفة، كبيرة نسبياً، حدودها الطريق العام والغابة. من داخل هذه الغرفة الكبيرة، أخلق فضاءاً آخر: مساحة مسطحة من العشب، تبدو كطوف سابح داخل الغرفة الأولى. وعلى مسطح العشب أضع البيت، الذي يبدو كطوف آخر منفصل عما حوله من العشب. وعلى أرضية البيت من الخفان البني، أضع طوفاً آخر، هو سجادة بيضاء... فيصبح فضاء المعيشة هو هذا الطوف الأبيض السابح في محيط بني، السابح بدوره في محيط أخضر، والسابح بدوره في محيط أخضر أوسع هو الغابة. بالداخل كون أصغر، وبالخارج كون أكبر."

البيت الزجاجي، فيليب جونسون. من أركيتكتشرال فوروم، 1949

إذاً تجربة بيت جونسون هي تجربة الانتقال من طوفٍ عائم إلى آخر، يضفي كل منها شعور بالاحتواء على سابقه. يُعرف الفضاء هنا بحدود العشب وأرضية الخفان والسجادة البيضاء. فالبيت الزجاجي ليس صندوقاً من زجاج، بل مسطح أفقي يطفو داخل وحول مسطحات أخرى. هل تتناقض هذه الحركة الأفقية العائمة مع التشبيه الرأسي للمصعد أو امتعاض جونسون من البيوت الزجاجية على شاطئ البحر؟ لا بالتأكيد. ما يفعله جونسون في واقع الحال، هو مراكمة الاستعارات وإعادة استعمالها في تراكيب مختلفة كل مرة. فالطوف العائم في البحر يتحرك دون اتجاه، على عكس البيت الحداثي الذي ينظر له من زاوية بعينها. وإذا كان الطوف يشكل غلافاً يحتوي من بداخله، فإنه يفعل ذلك حتماً عبر الصندوق الفراغي الذي تشكله حدود الطوف.


"حميمية البيت الزجاجي هي ذاتها حميمية الغرف المغلقة. هذا هو ما يجعل فهم الأمر صعباً على المعماريين الأكبر عمراً الذين لم تسنح لهم فرصة استعمال الزجاج على هذا النحو. حين تكون على متن طوف وسط المحيط، بالتأكيد لا تحتاج إلى ما يحتويك، إذ لا يمكنك أن تخطو خارج الطوف أصلاً! بالمثل تستشعر الأمر ذاته مع السجادة البيضاء، لا يمكنك أن تخطو خارجها. تجذبك السجادة عاطفياً إلى الداخل؛ إلى ساعة صفو وحديث."


وجدت فكرة البيت كطوفٍ عائم طريقها للنشر عبر الصحفي آرثر دريكسلر بعد أقل من شهر من الانتهاء العمل على بيت جونسون الزجاجي. في مقاله بمجلة إنتيريورز وصف دريكسلر موقع البيت كفضاء غرفةٍ كبيرة تتوسطها سجادة تلو الأخرى: "أرضية البيت من قوالب الخفان البني المتغاصن، والسجادة ذات اللون الرملي المائل للبياض، تبدوان كطوف عائم وسط الماء، يهتدي به زائر البيت إلى حيث تستقر أريكة خفيضة." هل كانت تلك كلمات جونسون وقد سمعها عنه دريكسلر؟ أما أنها أصلاً كلمات دريكسلر وقد انتحلها جونسون؟ هل تعامل جونسون مع أفكاره بنفس الطريقة التي تعامل بها مع تصميمات بيوته؟ هل كان يلتمس الأفكار في حديث نقاده ويشرع هو بتوليفها؟ الإجابة على الأرجح: نعم. كان جونسون قطعة من الإسفنج تمتص كل ما يقع عليها، تصفيه وتجعله سائغاً. كشخصية تلفزيونية أو محرر صحفي يكتب عن حياته الخاصة بلغة مفهومة للعوام. لا فرق هنا بين الصحفي وموضوعه. كان جونسون ببساطة، برنامج تلفزيوني؛ برنامج من برامج تلفزيون الواقع، فقط كان برنامجاً استمر عرضه أطول مما توقع الجميع.

فيليب جونسون أمام بيته، 1964 ، نيو كانن، ولاية كنيتيكت