بنجامين براتون
مقتطف من مقدمة الكتاب
Bratton, Benjamin. The Stack: On Software and Sovereignty, MIT Press, Massachusetts, 2016
تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.
في خطابها أمام مجلس العلاقات الخارجية عن الحاجة لتصميمٍ جديدٍ للنظام الجيوسياسي العالمي، قدّمت هلاري كلنتون، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، اقتراحاً صادماً بعض الشيء. تحدثّت كلنتون عن "عمارةٍ جديدةٍ لهذا العالم الجديد؛ لا تشبه المعابد الإغريقية القديمة، بل هي أقرب إلى بنايات فرانك غيري." في مقابل بنايات غيري شديدة التعقيد والغرابة، وصفت كلنتون النظام العالمي الحالي الذي تؤطره الأمم المتحدة وحلف الناتو وعدد من المنظمات الدولية الكبرى بمعبد أثيني كلاسيكي، بسيط الترتيب وواضح البنية. تقول كلنتون "في الماضي أمكن لعددٍ من الأعمدة القوية أن تحمل ثقل العالم ومشاكله، أمّا الآن، يحتاج الأمر إلى توليفة ديناميكية من التراكيب والمواد". ثم تردف "بعض من أعماله [تقصد فرانك غيري] تبدو عشوائية وطارئة في بادئ الأمر، إلا أنها في واقع الحال على درجة عالية من التخطيط والتعقيد".
ربما يكون من الجيد الالتفات إلى مجال التصميم المعاصر بحثاً عن نماذج جديدة لنظام جيوسياسي عالمي بديل يتجاوب مع تعقيد الواقع، سواء أكانت هذه النماذج هياكلاً مادية فاعلة أو أنظمة تمثيلية يُستعان بها للفهم والتحليل. وبغض النظر عمّا إذا كانت تصميمات فرانك غيري هي أفضل ما يمكن الخلوص إليه في هذا المضمار، قد يكون من الأفضل قبل الدخول إلى صلب الموضوع أن نسأل: من أين جاءت تلك الحاجة للبحث عن بنىً ومخططات تصميمية جديدة ترسم ملامح القوى العالمية وتوصّف حدود السيادة؟
إن الصعود المستمر لأنظمة الحوسبة العالمية كبنىً تحتية ماورائية، وللبيانات كفاعلٍ تاريخيٍ جديد يرسم ملامح الاقتصاد والجغرافيا يرجّح أن شيئاً محورياً قد انحرف عن مساره بالفعل، وأن ما نعاينه اليوم هو تبعات هذا الانحراف. فالتحوّلات العالمية على مستوى الأنظمة المادية والمعنوية، والتي استحدثتها الحوسبة، تعيد ترتيب السياسة العالمية بأشكال جاهدت كلنتون لشرحها أمام مستمعيها، كما نجاهد نحن أيضاً لوصفها والتصميم بناءاً على معطياتها.
يشهد العالم الآن وضعاً جديداً تنهار فيه الحدود السياسية للدولة الوستفالية التقليدية تحت ضغوط التجارة والهجرة العالميتين، بينما تتعاظم في الوقت ذاته سيادة تلك الدولة وإشرافها بشكل بالغ على حركة المعلومات وتدفقها. بين العمارة الممكنة للنظام العالمي بشكله الحالي، وإمكانات المستقبل القريب، تظهر ملامح طريقٍ عاصفٍ بالاحتمالات. في هذا الإطار يطرح هذا الكتاب منهجاً جديداً لتصميم الجغرافيا السياسية يتواءم مع معطيات عصر جديد، هو عصر الحوسبة العالمية على مستوى الكوكب بأسره. يعمل هذا المنهج من الداخل للخارج، من التقانة باتجاه السياسة. بعبارةٍ أخرى، يهدف الكتاب إلى تحليل وربط البنى التحتية الرقمية على مستوى القارّات، وأنظمة الحوسبة على مستوى المدن، ووسائط الاتصال التي تحيط بنا على مستوى الإدراك الفردي، بهدف الكشف عن الكيفية التي يتضافر بها ثلاثتهم في كلٍ مكتمل يجعلنا قادرين على أن نبني ونسكن ونحكم ونتواصل عبر العوالم التي ننشئها على المستويات التقنية الثلاث.
سنقوم بذلك بالاستناد إلى النماذج متعددة الطبقات الشائع استخدامها في البرمجيات والأجهزة الرقمية ومصفوفات شبكات الاتصال network stacks، والتي تتراص مكوناتها التقنية رأسياً في طبقاتٍ معياريةٍ متكررةٍ تعتمد إحداها على الأخرى. يستند المنهج الذي يحاول الكتاب طرحه أيضاً إلى منطق آخر غير حوسبي يجرّد العلاقات بين أجزاء النظام إلى "منصّات" platforms وهو تجريد يُعدّ الآن أساسياً في تصميم وتنسيق النظم المعقدة. عملياً، يحاول هذا المنهج إنتاج طروحاتٍ بديلة لتقسيم الجغرافيات السياسية المعاصرة والمحتملة في المستقبل القريب.
على هذا النحو، تلتمس فصول الكتاب خيوطاً من مصادرٍ مختلفة وتغزلها معاً، بدءاً من الأحاديث الطوال عن انزواء الدولة القومية وخسوفها المحتوم، الذي وصلتنا أنباؤه منذ زمن وطال انتظاره أزماناً، وصولاً إلى صعود الثيولوجيات السياسية كحلٍ وجودي لذلك المجهول الآتي مع مابعد القوميات؛ ومن العناوين الإنترنتية التي تبدد معنى المكان في غياهب الحوسبة الغيمية إلى تتبع آثار الحداثة اللوجستية في الحركة الدائبة للأجسام والأشياء؛ ومن الدول-المدن العائدة إلينا من الماضي في هيئة مدن عولمية ذات حدائقٍ عملاقة مسوّرة إلى الفزع المستمر من الفناء المفاجئ جرّاء الكوارث البيئية المحدقة. استنتاجاتي هي محض استبصار يسعى لتمكين عمليات تصميم هذه الأنظمة والعوالم على نحو أفضل. وكأي بحث تصميمي جيّد، يتناول بحثي مشكلات جديدة وعصيّة على الفهم بشكل تجريدي سعياً لنمذجتها بشكل مبدئي.
تبدأ القصة إذن بتتبع فكرة تقسيم الكرة الأرضية براً وبحراً وجواً إلى نطاقات وأقاليم. تاريخياً جاءت هذه الأقاليم إلى الوجود تعبيراً عن هندسة تفصيلية متجددة للفضاء السيادي وعن طبولوجيا محدّدة لتقسيم الصلاحيات والنفوذ القانوني. ولأن تلك التقسيمات ليست ثابتة بالمبدأ، فهي دائماً قابلة لإعادة التصميم. على سبيل المثال، يعتمد استقرار التصميم الجيوسياسي الحالي على مفهوم الدولة القومية واضحة الحدود كوحدة سيادية أساسية لا غنى عنها. إلا أن هذا الاستقرار يتآكل بفعل نجاحات هذا المفهوم واخفاقاته معاً، وينطبق الأمر ذاته على عدد آخر من المفاهيم والهويات الجيوسياسية كذلك. لذا أزعم أنه لكي نتمكن من تقدير الآثار الفعلية للحوسبة العالمية ولكي نجعل منها مساحة قابلة للتصميم، يلزمنا تجاوز عدد من الأفكار والمبادئ التقليدية التي استقرت في العقيدة الجيوسياسية المعاصرة.
فتراكب الطبقات المختلفة لحدود الفعل القانوني والصلاحية القضائية عبر الجغرافيات المحتملة في عالم اليوم يولّد تعقيداً قانونياً رأسياً لم تعد الممارسات الخرائطية لفضاء عالمي أفقي أداةً صالحة لفهمه أو تصميمه أوحكمه. وعليه، بدلاً من سطر الرثاء على ما فشلت القواعد في ضبطه من استثناءات، أملاً في أن تعود تلك الاستثناءات مجدداً إلى عقال ما هو عادي، ربما جاء الوقت لرسم حدود ذلك "العادي الجديد" الذي يحدث خارج القواعد. من أجل هذا الغرض، يقترح هذا الكتاب نموذجاً لهندسة بديلة للجغرافيا السياسية ينظر للأمام لا للوراء، هو "المصفوفة".
المصفوفة هي طريقةٌ لإعادة رسم الجغرافيات السياسية المعاصرة، كما أنه أيضاً طريقةٌ لفهم التقنيات التي تجعل هذه الجغرافيات ممكنة. الحوسبة العالمية تتخذ أشكالاً عدّة على مستويات مختلفة، فهناك مصادر وشبكات توليد الطاقة وتعدين المواد اللازمة لصنع تلك الشبكات في المقام الأول، وهناك البنى التحتية اللازمة للحوسبة الغيمية، وهناك برمجيات الإدارة الحضرية التي تتصل بخصخصة الخدمات العامة، وهناك أنظمة للعنونة الإنترتية الشاملة universal addressing systems، وهناك واجهات بينية interfaces تتخفى في صورة أنظمة مؤازرة augmentation للرؤية واللمس أو أخرى تذوب كلياً داخل منتجات أخرى (كالشرائح الذكية داخل بطاقات الائتمان البنكي)، وهناك المستخدمون أنفسهم، سواء أكانت ذواتهم شديدة الوضوح أمام تقنيات الرصد الكمّي الذاتي (التقنيات المتصلة بجمع وتحليل البيانات عن الحياة اليومية للفرد، مثلاً، من حيث السعرات المستهلكة والحالة المزاجية والأداء البدني) أم شديدة التشظي إلى بيانات صغيرة تتغذى عليها جيوش من المجسّات والخوارزميات والروبوتات التي تعمل دون انقطاع على تنقيب البيانات.
يستند الكتاب على فرضية أنه بدلاً من رؤية كل تلك المستويات والتجليّات كأخلاط من تقنيات حاسوبية متعاقبة يدور كل منها في إيقاع وفلك مستقلين، ربما ينبغي علينا أن نراهم ككلٍ متسقٍ وقائم بذاته. تنتظم هذه المستويات من البرمجيات والمعدات طبقة فوق الأخرى في بناءٍ واحدٍ شديد الضخامة، وإن لم يكن تام البناء؛ محيطٌ بكل شيء، وإن لم يكن تام الانتظام. ولكي نزيد الأمر وضوحاً، قد تتواجد المصفوفة على هذه الشاكلة في آن بعينه، ولا يتواجد عليها في آن آخر، فالمصفوفة ليست فكرةٌ معنوية أو شيءٌ ماديٌ فقط، هو الإثنان معاً في الآن ذاته؛ هو آلة ضخمة تعمل لصالح مخططٍ دقيق، كما أنه مخططٌ ضخم مكوّن من آلات دقيقة. وإذا ما استوعبنا مجمل هذه الآلات الدقيقة كأجزاء من آلة واحدة ضخمة، ووعينا الصورة التجريدية التي يمكن أن يقدمها لنا هذا المنظور الكلّي، مثله في ذلك كمثل كل النظريات الباحثة في الكليّات، لأمكن لنا جعل خياراتنا المستقبلية، بما في ذلك الأشكال الجديدة المحتملة للجغرافيا السياسية والسيادة والحوكمة، أكثر جلاءاً وفعالية.
تشكل المصفوفة جوهر الجغرافيا السياسية الجديدة وعمارة النظام الحوسبي على ظهر الأرض وفي باطنها وفضائها. تظهر المصفوفة كمنشأ عملاق، نبنيه تارةً بقصدنا وتارةً بغبائنا، وبالمقابل، يبنينا هو على صورته. لا يقتصر هذا المنشأ العملاق على احتمالية إضافة عددٍ من الآلات الجديدة وحسب، بل يحمل في طيّاته مؤسسات جيوسياسية كاملة وأنظمة اجتماعية جديدة في مخاضها نحو الميلاد. لذا، تبدو المصفوفة أحياناً كالشيء ونقيضه؛ نظام طوباوي لتحرر البشر وماكينة جهنمية لاستعبادهم في الوقت ذاته؛ هي صورة عن عالم نحياه كل يوم دون أن نعرفه بشكل جليّ وفي الوقت ذاته ملمح من عالمٍ آتٍ قريباً. يأمل هذا الكتاب أن يقدم نموذجاً أولياً عما يحمله لنا واقع اليوم وواقع الغد.
يقوم النظام الحوسبي العالمي بتشويه النظام القانوني والجغرافيا السياسية الحديثين وإصلاحهما في الوقت ذاته، وبينما هو كذلك يعيد إنتاجهما على شاكلته. يقوم هذا النظام بخرق وتجاوز بعض الحدود في حين يعمل أيضاً على تشديد واستحداث بعضها الآخر على مستويات جديدة وبكثافة غير مسبوقة. وبالرغم من أن هذا يضع مشاكل الجغرافيا السياسية أمام المصممين، إذ لابد لتلك الحدود الجديدة من تصميم، إلا أنه لا يصرّح بأمر آخر غاية في الأهمية، ألا وهو أن الجغرافيا السياسية المعاصرة بشكلها الحالي كانت هي أيضاً من إنتاج مصممٍ ما. الإطار الحاكم للجغرافيا السياسية الحديثة والذي يضع الدولة القومية كوحدة أولية لتشريع وتنفيذ القوانين هو إطار تم تصميمه، بوعي ودون وعي، عبر تقسيم الجغرافيا المسطحة لكوكب الأرض إلى نطاقات قانونية متلاصقة ومستقلة عن بعضها، ذات سيادة ومكتفية بذاتها. هذا الإطار الحداثي تحديداً هو نموذجٌ راسخٌ لكيفية تراتب طبقات ما هو حكومي وإقليمي ضمن تركيب كثيف واحد، عندما ننظر إليه اليوم كمشكلة تصميمية نجد أن احتكاره لإنتاج الجغرافيا والتشريع قد تراجع عمّا كان. اعتمد هذا الاحتكار في الماضي على إجماع دائماً ما كان هشاً وأصبح اليوم مستوجباً لإعادة النظر. يمكننا التماس الجذور التاريخية لهذا الإطار في عدد من اللحظات التأسيسية، منها معاهدة وستفاليا عام 1648 والتي صكّت التصميم الخرائطي المسطّح لهذا الإطار، وأرست ما تبعه من ممارسات لتطبيعه وتعميمه الجزئي في أرجاء مختلفة من العالم.
لم تقتصر آثار هذا التصميم الخرائطي على رسم وفرض حدود الفضاء السياسي، بل تعدته لتقرير محتوى ما هو "سياسي" بالأساس. بعد عدة عقود من وستفاليا، شرح إيمانويل كانط تبعات الترتيبات التي أرستها وأعطاها ثقلاً فلسفياً أعمق. فسّر كانط الكوزموبوليتانية كجسم سياسي ممثل لأولئك الذين يتشاركون الوجود على القشرة الخارجية للكرة الأرضية، وكاتحاد قانوني وأخلاقي للكيانات القومية الناشئة ومواطنيها. لم يضع النظام الوستفالي نهايةً للصراعات حول القانون والأرض والهوية بتقسيمه الأرض إلى كيانات قانونية متحوصلة، وإنما استثمر في الدولة كإطار شرعي لخوض هذه الصراعات، وبشكل أكثر أهمية، كإطار لتوليد استثناءات لما هو شرعي أيضاً.
تبدو التناقضات الجغرافية في عالم اليوم كما لو كانت استثناءات خارجة عما هو عادي. إلا أن العديد من تلك التناقضات يتم إنتاجه وتفعيله وفرضه بشكل متزايد عبر الحوسبة الكونية: كالكيانات الدولية والضد-دولية معقدة التركيب، والانتشار غير المسبوق للجيوب والهوامش القانونية، والدول غير المتصلة جغرافياً، والقوميات الشتاتية، والروابط الولائية للعلامات التجارية، والعمليات واسعة النطاق للاحتواء والترحيل الديموغرافي، و ممرات التجارة الحرّة والمناطق التجارية ذات الطبيعة الخاصة، والشبكات العملاقة لتبادل الملفات الرقمية بشكل قانوني وغير قانوني، والمسارات اللوجستية لحركة المواد والطاقة، ومنصات الرقابة والتنصت المدعومة بالأقمار الصناعية، وتعدد العملات البديلة، وصعود الأساطير الرجعية والوحدوية للتطرف الطائفي والسياسي، والهويات المعرّفة بواسطة رسوم بيانية وعمليات إحصائية، والسياسات الحيوية عبر البيانات الضخمة، وتناحر خوارزميات المضاربة على الأسهم بين حواسيب البورصة العملاقة، والحروب الباردة العميقة على مراكمة البيانات عبر حدود الدول والأحزاب، وغيرها الكثير. ويقع ذلك غير بعيدٍ عن الطلب اللا متناهي على صياغة جديدة لبروتوكولات تقسيم الفضاءات الجيوسياسية بما يشمل الحجوم الهوائية وطبقات الغلاف الجوي وأعماق المحيطات.
تبدو اليوم سلطة الدولة القومية المستمدّة من الإجماع على المخطط الجيوسياسي الوستفالي، أكثر عمومية وانتشاراً، إلا أنها في الوقت ذاته أكثر هشاشة واندثاراً. لا يعني صعود المصفوفة المرتقب نهاية الدولة القومية، بل بالأحرى يعني أن واقعنا المعاصر سيعرّف بدلالة سيولة قدرة هذا النظام، نظام الدولة القومية، على الحفاظ على احتكاره لإنتاج الجغرافيا السياسية، وفي الوقت ذاته بدلالة اكتساب هذا النظام لقدرات جديدة على رسم حدود وأطر وتقسيمات من نوع مغاير، وعلى توليد ارتجاعات قروسطية، وإنتاج فضاءات داخلية معلوماتية، وأخرى خارجية إيكولوجية ومدن-دول عملاقة، وغيرها الكثير.