عمارة التفكيك وشبح دريدا

مارك ويغلي



Architecture of Deconstruction / The Specter of Jacques Derrida (October 25-27, 2012), Faculty of Architecture- University of Belgrade

تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.

©

مقدمة الأركيلوغ

لسبب ما ارتبط اسم دريدا وفلسفته في الأوساط المعمارية العربية بتفكيك الأشكال حرفياً إلى خطوط منكسرة وأسطح مضلعة وكتل ذات زوايا حادة، يجعل من وصف "تفكيكي" وصفاً لكل عمارة لم تستقم زواياها. اختزال ترجمة دريدا معمارياً إلى نمط للتقييم والإنتاج الشكلي كان، ولم يزل، حجر عثرة أمام فهم التفكيك، ولاسيما تفكيك العمارة، بل وجعل منها حتى وقت قريب، جنباً إلى جنب مع غيرها من المصطلحات غائمة التعريف، ملجأ مفضلاً لدرء ضحالة المقاربات في الأكاديميا العربية.


واقع الحال، لم يكن تثوير علاقة العمارة مع عقلانية الزاوية القائمة في أعمال عدد من المعماريين أواخر ثمانينات القرن العشرين عبر قراءتهم لدريدا معمارياً، والذي ربما شاع بسببه الارتباط الذهني عن الزوايا الحادة، سوى اختبار أولي لعلاقة العمارة مع التفكيك، سرعان ما تجاوزه هؤلاء باتجاه سؤال أهم حول العلاقة المضطربة بين الفلسفة والعمارة، وتأثير الثقافة على تلك العلاقة. نعود مع هذا النص إلى المحاورات المعمارية التي دارت رحاها بين أواسط ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، من خلال محاضرة للمنظر المعماري الأشهر، مارك ويغلي، يحاول فيها إعادة استكشاف جذور العلاقة بين التفكيك والعمارة. ونأمل بذلك أن نقدم للقارئ العربي، ولا سيما المعماري، منظوراً أوضح لما يعنيه التفكيك.


خلفية تاريخية

في العام 1985 قام المعماري الفرنسي برنارد تشومي بدعوة جاك دريدا للتعاون على مشروع حديقة لا فيليت التي أرسيت مهمة تصميمها على تشومي في مسابقة عالمية جرت قبل عامين. قدم تشومي مشروعه للجنة التحكيم لا كعمارة، وإنما كبناء فلسفي يتخذ من العمارة شكلاً له، إلا أنه دون شك شعر أن هناك نقصاً ما يشوب المشروع؛ نقص احتاج إلى فيلسوف كي يكمله. قبل دريدا الدعوة وكتب مقالته الشهيرة "نقطة الجنون: العمارة الآن." في مقالته، أعاد دريدا صياغة طرح تشومي المعماري، كما أعاد ترتيب أفكاره الفلسفية لتتسق وفضاء المشروع المعماري. شكل المقال خطوط تماس جديدة لعلاقة مضطربة بين التفكير الفلسفي والتصميم المعماري، كان قد سبق وأن ظهرت بوادرها في مقابلة مع إيفا ماير نشرت بالألمانية في إصدار عن الغالري الوطني ببرلين تحت عنوان "العمارة والفلسفة منذ الثورة الصناعية" في العام 1984. كان ذلك المقال فاتحة لسلسلة كثيفة من المشاركات المعمارية لدريدا، وبادئة لتقليد معماري يقتضي دعوة الفلاسفة إلى حقل العمارة. سيستمر هذا التقليد لاحقاً مع أسماء كجيل دولوز وسلافوي جيجك وغراهام هرمان وغيرهم.


نُشر مقال دريدا عن حديقة لا فيليت للمرة الأولى في العام 1986 مصحوباً بمجموعة من الرسومات المعمارية للمشروع. ثم أعيد نشره لاحقاً في العام 1987 ضمن مقالات أخرى لدريدا. في نفس العام تعاون دريدا مع المعماري الأميركي بيتر أيزنمان على تصميم جزء آخر من لا فيليت، وتمخض تعاونهما عن كتاب آخر بعنوان "كورا-ل-ووركس" ضم مقالات ورسائل ورسومات وخرائط ونماذج هندسية توثق لتعاون المعماري والفيلسوف. العام 1987 نفسه شهد جولة مكوكية للفيلسوف الفرنسي زار خلالها عدداً من أهم كليات العمارة في الولايات المتحدة للتعليق على أعمال الطلاب هناك. كما تضمنت زيارته محاضرات ونقاشات مطولة مع عدد من كبار المنظرين المعماريين حينئذ كمارك ويغلي وجيفري كيبنس وكيرت فوستر وأنتوني فيدلر وغيرهم. في العام التالي كان دريدا ضيف شرف على واحد من أهم المعارض التي شكلت تاريخ العمارة المعاصر، هو معرض "العمارة التفكيكية” (1988) في متحف الفن الحديث بنيويورك.


تضمن المعرض أعمال مجموعة من أبرز المعماريين العالميين كفرانك غيري وبرنارد تشومي وزها حديد وبيتر أيزنمان وريم كولهاس ودانيل ليبزكند والمكتب النمساوي ’كوب هيمل-بلاو’. دعي دريدا كذلك للمشاركة في اجتماعات عدة حول مشروع دانيل ليبزكند الفائز في مسابقة تصميم المتحف اليهودي ببرلين في العام 1989، كما كان أحد أهم الأسماء على لائحة ’برلين شتادفوروم’ التي شكلت للنقاش حول مستقبل العمران في العاصمة الألمانية بعد توحيدها. شارك دريدا في العام 1993 بدعوة من سينتيا دافيدسون في الاجتماعات التأسيسية لدار نشر Any Corporation التي تقف وراء عدد من أبرز المطبوعات المعمارية إلى اليوم.


دون سابق مقدمات، توقفت مشاركات دريدا المعمارية في العام 1993. هل انتهت علاقة الفلسفة بالعمارة؟ هل تطورت العمارة، أو تراجعت، بحيث لم يعد لفلسفة دريدا مكان فيها؟ ماذا يعني اختفاء دريدا معمارياً؟ وماذا ترك من آثار في العمارة؟ في العام 2013، بعد عشر أعوام على التوقف المفاجئ لمشاركات دريدا، قامت كلية العمارة بجامعة بلغراد بالدعوة إلى مؤتمر استضاف عدداً من كبار المعماريين والفلاسفة للإجابة على تلك الأسئلة عبر تأطير العلاقة المضطربة بين الفلسفة والعمارة تاريخياً. يكرر المؤتمر أصداء معرض "العمارة التفكيكية" (1988) من تنسيق مارك ويغلي وفيليب جونسون، الذي كان أول من تناول فلسفة دريدا من من وجهة الدراسة المعمارية، وأول من اصطلح على وصف العمارة التفكيكية بالـ"اضطراب"، وهو وصف لم يفارق الأدبيات المعمارية التي تتناول الموضوع إلى اليوم، بما في ذلك فعاليات المؤتمر نفسه.



تصميم حديقة لا فيليت، مجموعة من المسطحات والخطوط والنقاط تتقاطع لتنتج نظاماً معمارياً دون معنى محدد أو مستقر، برنار تشومي، 1982.

من اليسار: برنار تشومي، هلموت زفشنسكي، وولف بري، دانيال ليبزكند، ريم كولهاس، زها حديد، مارك ويغلي. من معرض العمارة التفكيكية بمتحف الفن الحديث بنيويورك، 1988 - تصوير روبن هولاند.

نص المحاضرة

لم أتحدّث عن دريدا منذ زمنٍ طويل، وكأنني تركته ورائي. ماذا يعني أن أترك دريدا؟ نجلس في هذا المؤتمر، ستةٌ من المعماريين إزاء ستةٍ من الفلاسفة، وهو أمرٌ لا يبدو لي من قبيل الصدفة. إثنى عشر حوارياً مجتمعون في عشاءٍ أخير بأثر رجعي، يتحدثون أمامكم اليوم، لتخمنوا أياً منهم، أو ربما جميعهم، سينكر الفيلسوف الغائب. لا أنوي الخوض في قراءات تفصيلية. فقط سأعرض عليكم مجموعةً من التأملات الشخصية دون مزيدٍ من التحليل. لكن، ألا يجعلني افتقاري للتحضير، بدءاً، في جانب المعماريين لا الفلاسفة؟ أما كنت قد أعددت لمحاضرتي بشكل أفضل لو كنت فيلسوفاً؟ هل كوني أكثر معماريةً، يجعل بالضرورة أقل فلسفةً؟ هل يجب، بالمبدأ، أن ندرس العلاقة بين العمارة والفلسفة بكلماتٍ أكثر دقةً وتحضيراً، أندرسها بشكل فلسفي؟ أم معماري؟ أنصنع لها رسماً معمارياً؟


الأشياء في مواجهة الكلمات

ما أسهل أن نرى الأمر على هذا النحو: كلمات الفلاسفة في مواجهة رسومات المعماريين. إلا أن الأمر حقيقةً ليس بهذه السهولة. فالرسم المعماري، تقليدياً، يشغل مساحةً بين الفكرة وتحققها، وهو، في واقع الأمر، نصف شيء ونصف فكرة. الرسم المعماري هو خريطةٌ لتحقّق فكرة، وهو أيضاً مادةٌ لاختمارها. من هذه الوجهة يمكننا القول بأن العمارة، من خلال رسوماتها، مليئةٌ بالكلمات، بل تكاد تفيض بها. بالمقابل فأن الفلسفة تفيض بالأشياء أيضاً. إلا أننا هنا لا نقصد بالأشياء الموضوعات التي تتناولها الفلسفة بالفحص والدراسة، بقدر ما نقصد الصور والمخططات والمنشآت المفاهيمية التي تستند إليها الفلسفة في تسيير التحليل. ربما في واقع الحال تفيض الفلسفة بالرسومات قدر ما تفيض العمارة بالكلمات.


اختزال العمارة واستلحاقها بجانب الأشياء، وكذا الفلسفة بجانب الكلمات، يفرد العمارة على طاولات التشريح الفلسفي، ويضع الفيلسوف في منزلة السلطة التي تختبر ما ينتجه المعماري من أشياء، لتبدو العمارة كما لو كانت غير مكتملة دون تحليل الفيلسوف. من جانبهم، ينتظر المعماريون كلمات الفلاسفة، يطلبونها كمن يستمطر إدانة الفلسفة، التي ما انفكّت، تحكم على العمارة من علٍ. بالمقابل، وبالنسبة للفلسفة، تبدو العمارة كحالة خاصة تبرهن على تجلّي أفكارالفلسفة في العالم. بشكل ما، تتحرج الفلسفة من العمارة، إلا أنها تعتمد عليها. فالفلسفة لا يمكن أن تكون نفسها دون تلك العلاقة الخاصة مع العمارة، والتي هي علاقة مضطربة في كل الأحوال.

تصميم حديقة لا فيليت - برنار تشومي، 1982.



هل يعني التوقف عن قراءة نصوص دريدا أننا قد فقدنا قناعتنا بها؟ إن الفرضية القائلة بأن العمارة اليوم تبدو ’أقل تفكيكاً’ لأن اسم دريدا لم يعد يتكرر على أسماعنا كثيراً في السنوات الأخيرة تبدو شديدة الضعف والتهافت، وتقدّم فاعلية اسم دريدا، محض الاسم، على منجز الرجل الفكري.




العمارة كطريقة لفهم العالم

العمارة ليست، ولا يمكن أن تكون، مجموعةً من الأشياء المبنية أو المرسومة، بقدر ما هي طريقة لرؤية ما يمكن أن تكون عليه تلك الأشياء. لا يجب النظر للفلسفة والعمارة إذن ككلماتٍ في مواجهة أشياء، بل كطريقتين، تعتمد إحداهما على الأخرى، لفهم العالم. وعليه فالسؤال الذي أود طرحه لا يتعلق بتركة دريدا المعمارية، بقدر ما يتعلق بتركة العمارة في الفلسفة. هل يعني التوقف عن قراءة نصوص دريدا أننا قد فقدنا قناعتنا بها؟ إن الفرضية القائلة بأن العمارة اليوم تبدو ’أقل تفكيكاً’ لأن اسم دريدا لم يعد يتكرر على أسماعنا كثيراً في السنوات الأخيرة تبدو شديدة الضعف والتهافت، وتقدّم فاعلية اسم دريدا، محض الاسم، على منجز الرجل الفكري. فهل من فرضية معاكسة: أن قناعتنا كمعماريين بفكر دريدا قد تبدأ تحديداً مع التوقّف عن قراءته؟ لا تنطلق هذه الفرضيّة من رفض دريدا أو خذلانه، بل بالأحرى تنطلق من رفض الانقياد الساذج لادّعاء الدوران في فلك النص الفلسفي وتلقّف الحكمة منه. فكما نعلم، يستشعر المعماريون الحرج عند قراءتهم للفلسفة دون شك. إلا أن استجداء وجاهة الطرح المعماري عبر التصاغر أمام كتابات دريدا هو أحمق إهانة لها.


لا يستشعر الفلاسفة، في الجهة المقابلة - لو جاز لنا تقسيم تقسيم العلاقة إلى جهتين - الحرج عند حديثهم عن العمارة. على العكس، يتحدث الفلاسفة عن العمارة عادةً بثقةٍ استعمارية تبدو كما لو كانت تملك ناصية ما تتحدث عنه. إلا أن أبناء المستعمرات، من أمثالنا، يعلمون أن ثقة المستعمر ما هي إلا عرضٌ لخوفٍ عظيمٍ من الآخر. غياب أي ذنبٍ أو خجل يمكن لفيلسوف أن يظهره تجاه العمارة يخفي تحته علاقةً مضطربة بينهما. فكل سلطة تستبطن صوت أسوأ مخاوفها وتعتمد عليه. يبدو حضور العمارة داخل الفلسفة كحضور لصورة، لمخططٍ إرشادي، لم تتم دراسته فلسفياً. غياب الدراسة الفلسفية لهذه الصورة هنا هو موطن حرج الفلسفة في ارتكانها إلى ما لا ترغب، ولا تهتم، ولا تقدر حتى على تحليله. العمارة هي صورةٌ ترشد وتثري عمل الفلسفة، وتعتمد عليها الفلسفة اعتماداً كلياً، دون أن يكون لتلك الأخيرة القدرة على رؤية ذلك. واقع الأمر إنه لا يمكن للفلسفة أن تظل ’فلسفة’ بعد أن ترى تلك الصورة في حقيقتها. ينزع أغلب قراء دريدا إلى تطبيق نصوصه على مواضيع دراستهم، ويرون فيها نبعاً متجدداً للحكمة ينسحب أثره على كل شيء. تبدو نصوصه كسلطة لا متناهية قادرة على فتح باب أي حقل دراسي تقريباً. من الصعب ذكر سؤال بحثي على قدرٍ من الأهمية لا يمكن أن يكون دريدا مدخلاً مناسباً له. وعليه يمكننا فهم التحاق العمارة بصف طويلٍ من الموضوعات التي يمكن لفكر دريدا أن يثريها.



الوفاء لتركة دريدا لا يعني بالضرورة إعادة قراءته مراراً، أو التعامل مع العمارة كموضوع لفلسفته، بل يعني المساءلة المستمرة لأنماط السلطة المعرفية التي تنتجها الفلسفة في العمارة.



بيتر أيزنمان وجاك دريدا في مشهد من وثائقي بعنوان Deconstructivist Architects - إخراج مايكل بلاكوود، 1989.

إلا أن العمارة، بوصفها في كل الأحوال طريقة لفهم العالم، تمتلك في داخلها أيضاً جوهر فكرة الشيئية بحد ذاتها. فهذه الأشياء التي تملأ العالم من حولنا لا تنتظر المعماري كي يحلّلها وينظر في أمرها، واقع الأمر أن شيئيتها في حد ذاتها (كونها أشياءاً قابلة للتحليل والنظر) هي أحد مفاعيل هذا التحليل والنظر. العمارة، بحسب هذا الفهم، هي نظامٌ لتمثيل الأشياء في العالم، بالأحرى نظام لإنتاج العالم، يهيّئ الأشياء للتحليل الفلسفي. وعليه فإن إسقاط الفلسفة على العمارة لا يستوي مع إسقاطها على سواها من الموضوعات.


الوفاء لتركة دريدا لا يعني بالضرورة إعادة قراءته مراراً، أو التعامل مع العمارة كموضوع لفلسفته، بل يعني المساءلة المستمرة لأنماط السلطة المعرفية التي تنتجها الفلسفة في العمارة. ويبدو حديثي الآن كمحاولة متأخرة لتسويغ غياب اسم دريدا عن عملي خلال السنوات الماضية، إلا أن هذا الحديث ليس جديداً. فطوال عملي كأستاذ جامعي، لم أعط صفوفاً عن أعمال دريدا قط، كما أنني لم أضم عناوين كتبه في قوائم القراءة الأكاديمية المقرّرة على طلابي طيلة الخمس والعشرين سنة الماضية سوى مرةً واحدة. وحتى حين كتبت عن دريدا لم أجد في نفسي الحاجة أو الخبرة لاستعمال مصطلحاته الرائجة حينها كأجزاء كأجزاء كـ الاختلاف-الإزاحة Différance : هي منهجية لتحليل ارتباط الدوال (الكلمات والرموز والاستعارات) بمعانيها. يقترح دريدا أن المعنى ليس متأصلاً في الدالة ولكنه ينشأ من علاقاتها مع غيرها من الدوال في عملية مستمرة من الاختلاف والإزاحة.و ميتافزيقا الحضور Metaphysics Of Presenence : ركزت الفلسفة الأوروبية تاريخياً على تمايز الدوال اللغوية عن المعاني التي تمثلها (الروح والجسد، الكلمة والمعنى، إلخ)، وهو ميل نابع من اعتقاد ميتافيزيقي بوجود الواقع والحقيقة خارج اللغة، وهو ما يصفه دريدا بميتافيزيقا الحضور. وغيرها.

للأسماء والمصطلحات بالتأكيد أثرٌ في إنتاج إحساس بالفاعلية والتحقق، إلا أنها عادةً ما تأتي تحديداً في المواضع التي تنقصها الفاعلية والتحقّق. واقع الحال، أن تكرار اسمه يعني قراءته لا القراءة من خلاله. تركة دريدا في العمارة هي ما يستمر بعد زواله وزوال اسمه من الوجود. فالتركة هي ما يحيى بعد موت صاحبها. بالنسبة لي، كان لأفكار دريدا صدىً قوياً داخل العمارة، وكأنه قام بهندسة أفكاره لتجيب عن أسئلة من قلب الخطاب المعماري نفسه. لم يكن سؤالي كيف يمكن ربط تلك الأفكار بالعمارة، أو كيف يمكن وضعها قيد التطبيق المعماري، لكن كيف ولماذا جاءت أفكار دريدا معمارية؟ ولماذا تلعب العمارة كل هذا الدور في تنظيم أفكار دريدا؟ كانت تلك الأسئلة هي محور بحثي لنيل درجة الدكتوراه.


دريدا يصل متأخراً

شعرت أثناء كتابة أطروحتي عن دريدا من الطرف الأخر من العالم (من نيوزيلندا) وكأنني أكتب رسالةً لا أنوي إرسالها. كنت أكتب في أواسط الثمانينات عن أفكارٍ صاغها دريدا بين عامي 1965 - 1967. كانت أفكاره قد أصبحت جزءاً من التاريخ وقتذاك. إلا أنه فور انتهائي من الكتابة، حدث أمر شديد الغرابة، فقد بدأ دريدا نفسه بالكتابة عن العمارة. وصول دريدا المتأخر للعمارة، ذلك الوصول الذي تأخر عشرين عاماً، يبدو كما لو كان يكرر صدى مقولة دريدا نفسه عن أن "العمارة هي الحصن الأخير للميتافزيقا" وعليه، فمن الطبيعي أن تأتي مساءلتها فلسفياً في الترتيب الأخير بعد مساءلة كل شيء سواها.


راجت في تلك الفترة مقالاتٌ عديدة عن استحالة تفكيك العمارة دريدياً. توجسّت الأكاديميا الأميركية من آراء ما بعد البنيويين الفرنسيين، ورأى البعض في قراءة نصوصهم في داخل أروقتها خطراً وجودياً. كان ذلك هو الدليل الأوضح على أنه لا مقدّس بعد اليوم. فإذا كانت العمارة هي الراعي لشيئية الأشياء، فمن الحريّ تركها خارج المساءلة الفلسفية، لأن في ذلك نهايتها، وهو ما لم يكن مقبولاً عند الكثيرين بأيّ حال. لم أكترث حينها لموضة المواجهات الأكاديمية في حلبات المصارعة بين فريق الفلاسفة وفريق المعماريين، التي تتناسى دوماً التفاوت بين موقع المعماري وموقع الفيلسوف. ففي مقابل الفلسفة، التي تتّخذ من الجامعة بيتاً لها، تبدو العمارة كضيفٍ وصل متأخراً، وربما ينفضّ الحفل قبل أن يجد مقعده. من المدهش أن يترافق وصول كليّات العمارة إلى الجامعة مع الحديث عن نهاية الجامعة ذاتها، بل ربما تكون آخر مرحلة في تطور الجامعة قبل اندثارها هي كلية العمارة. لذا فلقاء المعماري والفيلسوف داخل الجامعة، هو لقاء محفوف بحساسية لا يجب تناسيها. لم أكن مهتماً بتناول العمارة كموضوعٍ للفلسفة، بل بالطريقة التي تعمل بها كل من الفلسفة والعمارة. فالعمارة ضمن إطار عملها التقليدي، كانت تبدو لي أكثر غرائبيةً وتجريبيةً من المقاربات المسرحية التي ادّعت حينها مزج العمارة والفلسفة.




ينبغي للبيئة المبنية في أي مجتمع أن تكرس لتصور مستقر عن اليقين، إلا أن من يتصدون لهذه المهمة عادةً، المعماريون، هم للمفارقة الأكثر تشككاً. ولا عجب أن يعيش المعماريون حياتهم ممزقة بين إخفاء الشك وإدعاء اليقين.




سقف رقيق معلق تتدلى من خلفه الأحشاء المعدنية لشبكات التكييف والإنارة والمياه تحت قبة مهيبة مزخرفة بمشاهد تاريخية بالجناح المركزي لبينالي البندقية في دورته الرابعة عشر - من تنسيق ريم كولهاس، 2014. "قشرة رقيقة لا نملك حيالها سوى أن نخمن ما عساه أن يقبع وراءها."

ماكيت إعادة تصميم سطح بناية سكنية، فيينا، كوب- هيمل بلاو، 1985. ضمن معرض العمارة التفكيكية، 1988.

ليس بيننا من يدرك على وجه القطع ماهية القاعة التي نجلس فيها الآن. من بين كل المعلومات التي تتلقاها حواسنا الآن لا يوجد ثمة ما يخبرنا بالفعل عن حقيقة عمارة هذه القاعة. نحن محاطون بقشرة من الدهان يقل سمكها عن مليمتر واحد لا نملك حيالها سوى أن نخمن ما عساه أن يقبع وراءها. وجودنا كمعماريين في هذه القاعة يجعلنا جزءاً من نظام معرفي شديد الهشاشة، إلا أننا في الوقت ذاته لا نملك سوى طمأنة المجتمع إلى ما تمثله تلك القاعة من يقين؛ إلى استقرار ما تنشؤه عمارة هذه القاعة من ترتيب ومعانٍ. عندما تذهب لمعماري وتطلب منه أن يصمم لك بيتاً، تخبره أنك تريد بيتاً يعبر عنك بصدق، لكن أتريد ذلك حقاً؟ أتريد بيتاً يفضح نواقصك؟ بالطبع لا، لكن مهمة إخفاء هذا التناقض، هذا الاضطراب، تقع على عاتق المعماري. عندما تبني الفلسفة صورتها عن العالم، فإنها تبنيها في صورة عمارة غير واعية بكنه تناقاضاتها. تكون الفلسفة في أكثر حالاتها سذاجة عند محاولتها تحليل العمارة، فهي تتناول إدعاءاتها الواثقة كحقيقة. التفكيكية هي محاولة الإمساك بتلك العلاقة بين الإنشاء واضطرابه، أو يمكن أن نقول الإمساك بذلك الاضطراب الذي ينشئ. يصف دريدا فكرة الفضاء والترتيب الفراغي كفكرة عصية على سلطة الفلسفة، فليس من طريقة للتفكير عن الفضاء واضطراباته خارج العمارة. لذا فالعمارة ليست ببساطة مجرد مبحث فلسفي آخر، هي بالأحرى ضرورة لعمل الفلسفة.


العمارة التفكيكية

معرض ’العمارة التفكيكية’، الذي قمت بتنسيقه عام 1988، لم يكن أبداً عن تطبيق دريدا على العمارة، بل كان استكشافاً لما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين الإنشاء والزخرفة. الفكرة الأساسية للمعرض كانت أن العمارة التي يصعب تمييز الخط الفاصل بين عناصرها الإنشائية والزخرفية تولد شعوراً بالاضطراب والقلق، وهو قلق قديم قدم العمارة ذاتها. تحديداً حينما يرتبط ذلك القلق بتصور معين عن الهندسة المتعامدة يحتفي بالزوايا القائمة بين عناصر الإنشاء ويعدها نقية من الزخرفة. الجريمة الكبرى لهذا المعرض، أو ربما إنجازه الألمعي، كان اختزال تاريخ العمارة كلها إلى سؤال حول الزاوية القائمة. الزاوية القائمة، التي يشار إليها في بعض اللغات بـ"الزاوية العادية"، هي واحدة من أكثر إنجازات جنسنا البشري فرادة وإدهاشاً، إلا أنها أيضاً واحدة من أقل الموضوعات استكشافاً من قبل الفلاسفة والمعماريين.


أتذكر قراءتي حينها لنص لدريدا عن الحيوانات، يشرح فيه أن مفهوم التعري هو مفهوم خاص بالبشر، لا يوجد في الطبيعة ولا يمكن وصف الحيوانات به. فالثياب بدعة إنسانية محضة. كنت أكتب حينها عن إمكانية فهم الثياب كتجلٍ لتوتر العلاقة بين الإنشاء والزخرفة. إلا أن الأمر المدهش هو أن المقولة ذاتها يمكن تطبيقها على الإنشاء المتعامد. فلا وجود لزوايا قائمة في الطبيعة، هي أيضاً بدعة إنسانية محضة. إنشاء الكون على اتساعه لا يقوم على زوايا قائمة. بالرغم من ذلك، فالزاوية القائمة هي صورتنا الذهنية لما هو طبيعي ونقي وخالٍ من التفاصيل. الزاوية القائمة هي صورة ذلك الإنشائي الصرف الذي لا يشوبه الزخرف أو التزيّد، هي ذلك المبدئي الذي كان موجوداً قبل كل شيء. إلا أن تلك الصورة بحد ذاتها هي اختراع بشري. فالزاوية القائمة هي في واقع الحال زخرف زائد عن حاجة الإنشاء، وهي غير كفؤة إنشائياً، إذا ما قورنت بالخطوط المنحنية مثلاً.

مقترح زها حديد للمسابقة العالمية لتصميم نادي الترفيه، هونغ كونغ، 1982. من معرض العمارة التفكيكية، 1988.

كتاب دريدا ’أصل الهندسة عند إدموند هوسرل’ هو أحد تلك النصوص التي تتيح لنا تناول الزاوية القائمة لا كمفهوم بديهي عن الإنشاء، وإنما كعلامةٍ مرجعيةٍ مصطنعة يمكن دراسة أصلها في الثقافة. لذا ينبغي أن نسأل، عندما يدرس الفلاسفة العمارة، أي عمارة يدرسون؟ أيدرسون العمارة حقاً، أم يدرسون صورتها في الثقافة؟ كيف نتعامل مع حقيقة أن هذه الصورة عن العمارة هي ما ينظّم عمل الفلسفة؟ هل نتعامل معها كمعماريين أم فلاسفة؟ كيف يمكن أن تتحول العمارة، ذلك الإنشاء الذي تقوم عليه الفلسفة، إلى موضوع لها؟


مأزق الفلسفة

كتب دريدا هذا الكتاب، أي ’أصل الهندسة عند إدموند هوسرل’، في العام 1962رداً على كتاب لهوسرل يعود للعام 1936 عنوانه ’أصل الهندسة الرياضية’. يستهّل هوسرل كتابه بالتفرقة بين العمارة والهندسة الرياضية، موضحاً أن موضوع بحثه هو الهندسة الرياضية وليس العمارة. فالعمارة هي نظام أداتي يمكن للشيء فيه أن يتكرر مراراً، أما في الرياضيات، فالأشياء توجد مرة واحدة (في الهندسة الرياضية مثلاً ليس هناك ثمة تعريفين للدائرة، في حين توجد أشكال عديدة لما يمكن أن يعنيه الحائط أو الباب أو السلم في العمارة). لذا يرى هوسرل الهندسة الرياضية كنظامٍ مثالي. إلا أنه، وللمفارقة، يعود بعد مقطعين فقط من هذه التفرقة ليستخدم مجازاً معمارياً لشرح ما يعتقد بكونه مثالياً وليس معمارياً. يقول هوسرل، أن الهندسة الرياضية هي "بناء مثالي" و"هيكل إنشائي ذهني خاص" وأنها كـ "قوالب البناء" يعمل العلماء على رصها فوق بعضها لـ"استكمال البناء" دون أن يكون أي من الأحجار كافياً عن البقية. فالهندسة الرياضية، بالنسبة لهوسرل، هي "بنيان للأفكار لا متناهي الطبقات ." ولأن لهذا البنيان تاريخ، يرى هوسرل دائماً إمكانية العودة "للتنقيب عن أساساته." يقوم مشروع هوسرل إذن على استعادة أصل مطلق للإنشاء يمكن من خلاله النظر بتجرد إلى كل الإنشاءات الأخرى، إلا أنه في سعيه لإتمام ذلك لم يتمكن من التخلي عن صورة الإنشاء عن نفسه.


رأي هوسرل أنه لا مناص من كتابة الهندسة الرياضية كي يمكن إعادة إحيائها كنظام مثالي. ففي رأيه، التعبير عن الأفكار بالرسومات التي تصور المفاهيم كقوالب كلية ثابتة يضعف قدرة الفكر على تحليلها. مأزق الفلسفة هو أنها، كما الهندسة الرياضية، تحتاج إلى العمارة، ذلك الفعل الذي يعيد إنتاج العالم في صور مجردة، كي تتمكن من إنشاء نظام معرفي مثالي. إلا أن العمارة في السياق نفسه، تعيد إنتاج نفسها كصورة مجردة عن نفسها أمام الفلسفة، ما يعوق الفلسفة عن فهمها. (يشبه الأمر أن ترتدي نظارة طبية تمكنك من رؤية العالم بشكل سليم، دون أن تدري أن الشيء الوحيد في هذا العالم الذي لن تتمكن من رؤيته بشكل سليم هو تلك النظارة نفسها. يمكنك بالتأكيد أن ترى صورتها إن شئت، لكنك لن تراها هي بذاتها) تفكيك العمارة الذي أعنيه هو تفكيك صورة تلك العدسة التي ترى الفلسفة من خلالها العالم، هو موقع بناء لنظام فلسفي يمكن أن يعمل من دون أن تكون العمارة خارجه.