جانيت أبو لغد
Abu-Lughod, Janet L. “The Islamic City: Historic Myth, Islamic Essence, and Contemporary Relevance.” International Journal of Middle East Studies, vol. 19, no. 2, 1987, pp. 155–76
تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.
في وقت يعود فيه الاهتمام بالإسلام إلى الواجهة، يعود معه سؤال المدينة الإسلامية. في عديد من أنحاء العالم العربي، وخصوصاً في المملكة العربية السعودية كما في سائر دول الخليج ينظر العمرانيون بإجلال غير معهود سابقاً للنمط التاريخي الذي ميّز بناء مدنهم في الماضي. ذلك النمط الذي عرّف تلك المدن بوصفها "مدناً إسلامية." يبحث هؤلاء العمرانيون عن أساليب وطرق لإعادة انتاج ذلك النمط في مدن اليوم. وقد تأثروا في نظرتهم هذه، بقصد أو بغير قصد، بأدبيات أكاديمية أنتجها المستشرقون ضمن محاولات غربية لوصف المدينة الإسلامية. الهدف من هذا المقال في جزئه الأول هو الوقوف على أصل هذه المحاولات، ونقد الفرضيات الأساسية التي أنتجتها بهدف تفكيك مفهوم المدينة الإسلامية. لاحقاً يستهدف الجزء الثاني إعادة بناء إطار تحليلي يصل بنا لمفهوم أكثر ديناميكية لعمران المدينة. كذا يتناول الجزء الأخير من المقال مناقشة قصيرة حول إذا كان من الممكن أو المحبذ أن نبني مدناً معاصرة وفق المباديء الإسلامية.
بطريقة ما، تتشابه دراسة تأصيل الأحداث والوقائع التاريخية مع تقاليد نقل الأحاديث والسنن عن نبي الإسلام. فسلامة الرواية التاريخية تتوقف عادةً على سلامة إسنادها عبر عدد من المصادر المتواترة، فيما بات يُعرف لاحقاً بالعنعنة. يُنظر كذلك بعين المفاضلة بين بعض العنعنات وبعضها بحسب تواتر أو انقطاع أسماء الثقاة من الرواة، فتعرف الحقيقة من تسلسل نسبتها إلى طبقة تلو طبقة من الرواة. وعليه فإن صحة المعرفة مكفولة بقدر سلامة تسلسل إسنادها.
يتناول هذا الجزء من هذا المقال معايير قوة الإسناد وتسلسل التأصيل وكيفية بناء المعرفة في دراسات الاستشراق. الفرضية الأساسية هنا هي أن مفهوم "المدينة الإسلامية" قد تراكم عبر سلسلة من المصادر الأكاديمية الغربية المعتبرة التي استندت في روايتها إلى عينة محدودة وغير ممثلة للعالم العربي في فترة ما قبل الحداثة وعشية وصول قوى الاستعمار إلى المنطقة. بل وأكثر من هذا، نقلت تلك المصادر الغربية داخلياً عن بعضها ما أوحى بوجود إسناد متواتر، وهو ما أود أن أكشف عنه في هذا المقال.
واحدة من أوائل المحاولات لصياغة مفهوم شامل للمدينة الإسلامية عبر إطار من الخصائص المميزة – على الأقل من حيث كونه مصدر متكرر ستستقي منه دراسات لاحقة – كانت محاولة وليام مارسيه William Marçais في مقاله المنشور عام 1928 بعنوان "الإسلام والحياة الحضرية" l'islamisme et le vie urbaine. يقدم المقال عدداً من التيمات التي سيتكرر ظهورها مراراً عبر عديد من المناقشات اللاحقة عن المدينة الإسلامية. التيمة الأولى هي أن الإسلام دين حضري. يدعم مارسيه فرضيته بقوله أن نبي الإسلام عاش بالحضر وكان متوجساً حيال البدو والأعراب، حتى أن الكوادر السياسية الأولى لدولة الإسلام في عهد محمد قدموا في أغلبهم من البرجوازية الحضرية التي كانت تعمل بالتجارة، كما اقتضت طقوس صلاة الجماعة وجود المسجد ما جعل من الحياة الحضرية ضرورة إسلامية.
يقدم مارسيه إسناداً لروايته باقتباس من مستشرق آخر هو رينان Ernest Renan. العبارة التي يستند إليها هي أيضاً محض فرضية أخرى. يقول رينان "المسجد كما الكنيس في اليهودية والكنيسة في المسيحية، هو بناء حضري قطعاً. الإسلام إذاً هو دين مرتبط بالحضر." يكتسب هذا الاقتباس أهميته تحديداً لتناقضه الذي يدحض السمة الأساسية للمدينة الإسلامية كما يراها مارسيه. فالإسلام بحسب هذا القياس لا يختلف عن اليهودية أو المسيحية من حيث علاقتهما مع الحياة الحضرية، ما ينفي فرضية التمايز الحضري للإسلام. بعبارة أخرى، إن كانت الأديان الإبراهيمية الثلاثة مرتبطة بالحضر، لماذا لا توجد مدينة مسيحية أو مدينة يهودية مثلاً على غرار المدينة الإسلامية؟
إلا أن مارسيه يعود ليؤكد في نقطة منفصلة أن المدن الجديدة في الإسلام عادةً ما أنشأتها أسر حاكمة أو قيادات عسكرية حكمت ضمن إطار إسلامي، ما يرجح أن استخدام مارسيه لصفة الإسلام هنا لا يقتصر على إيمان الفرد، بل هو أيضاً صفة تطلق على المجتمع من حيث التزامه بالإسلام كإطار للحياة العامة. فالإسلام في رأي مارسيه هو تنظيم اجتماعي يشمل الحياة ككل بشكل يظهر معه مجتمع الإسلام كإطار تنظيمي يشمل فكر المرء وأفعاله معاً.
لاحقاً يقدم مارسيه في مقاله عدداً من العناصر العمرانية المميزة لبنية المدينة الإسلامية يطرح فيها وصفاً مادياً مكتملاً استناداً لابن خلدون وعدد من القضاة ورجال الدين. فالمدينة الإسلامية من وجهة نظرة ينبغي أن تحتوي على مسجد جامع وسوق مركزي، قد يجمعهما بناء واحد في بعض الحالات. كما تحتوي المدينة الإسلامية على حمام لتجهيز المصلين لصلاة الجمعة. لكن بالعودة لرينان، سنجد كذلك أنه في عصر امتلاك الكنيسة للسلطتين الروحية والزمانية، ارتبط بناء كاتدرائيات العصور الوسطى بوجود ساحة السوق في مقابلها. ما ينفي مرة أخرى أي خصوصية مفهومية للمدينة الإسلامية تميزها عن سائر مدن العصور الوسطى في أوروبا مثلاً.
نجد أفكار ويليام مارسيه ذاتها مضمنة في مقالين آخرين لأخيه المستشرق جورج مارسيه Georges Marçais ، الأولى بعنوان "العمران الإسلامي" l'urbanisme musulman والثانية بعنوان "تصميم المدن في الإسلام" la conception des villes dans l'islam. يشكل المقال الأول على وجه الخصوص حلقة مهمة في تسلسل الإسناد الذي سيلجأ إليه اللاحقون. يبدأ المقال بتكرار فرضية ويليام مارسيه حول جماعة من البدو الرحل استطاعوا تأسيس دين حضري يقوم فيه المسجد بدور المفاعل الاجتماعي الذي ينتج المدينة. يتطرق بعد ذلك لأهمية السوق في تشكيل ملامح المدينة المسلمة. إلا أن جورج مارسيه يضيف لاحقاً وصفاً لمورفولوجية تلك المدينة، فيصف الأحياء السكنية التي تنقسم وفق الانتماء العرقي لسكانها، ويصف تنظيم الأسواق لافتاً إلى نمطها الهرمي. وأود هنا أن أورد جانباً من الوصف الذي قدمه مارسيه، والذي بالرغم من استطالته إلا أنه سيظهر مراراً وتكراراً في الأدبيات اللاحقة إما بنصه أو بمعناه:
"... وكما قلت سابقاً، المسجد الجامع هو قلب المدينة وهو المركز السياسي القديم كما أنه المركز الديني والثقافي حيث يتلقى طلبة العلوم دروسهم. فالمسجد كمركز ديني يجذب حوله سوق لباعة الأغراض الدينية وسوق للشموع وآخر للعطور. يضطلع المسجد أيضاً بدور المركز الثقافي فيجذب حوله أيضاً المكتبات التي تجذب بدورها محال تجليد الكتب وباعة الجلود وصناع البابوش (صنف من النعال يُستخدم في بلاد المغرب العربي) والذين يشغلون مكاناً هاماً في حياة المدينة الإسلامية. المكون الرئيسي للمدينة هو السوق الكبير، وهو في واقع الأمر مجموعة من الأسواق المتصلة التي تحمل اسماً غامضاً : قيسارية. والقيسارية [...] هي مكان آمن محاط بالجدران حيث يأتي التجار الأجانب لعرض بضاعتهم من الأقمشة الأوروبية. وتقع القيسارية بمكان غير بعيد عن المسجد الجامع، فهي كما في فاس ومراكش على سبيل المثال، تضطلع بدور مركزي للنشاط الاقتصادي للمدينة. وخلف تجار الأقمشة يقع سوق الصاغة ومن بعده سوق الشاشية (القبعات المغربية)، ويليهما صناع أثاث المطابخ وأدوات المائدة... وصولاً لسوق الحدادين. ومنها نصل إلى بوابات المدينة حيث يمكننا أن نرى توافد القوافل... ومستلزمات الباعة الآتية من الريف... وبمحاذاة أطراف المدينة نجد الصباغين والدباغين، بينما يقع الفخارين بالكاد على أقصى طرف المدينة."
يبدو جلياً من الاقتباس السابق أن كل الملاحظات التي استخدمها مارسيه في مقاله قادمة حصراً من المغرب العربي. لاحظ مثلاً إشارات مثل البابوش والشاشية والقيسارية، وكلها اصطلاحات مغربية غير شائعة في مناطق أخرى من العالم الإسلامي. لاحظ أيضاً الإشارة لتجار الأقمشة الأوروبية والتي تبدو معاصرة نسبياً عما يفترض أنه وصف للمدينة الإسلامية التاريخية. تشرح هذه المقالات إذاً الخصائص المادية لما يبدو أنه بعض مدن المغرب العربي كما رأها مارسيه في حينه، دون تركيز واضح على التنظيم الاجتماعي المصاحب لعمران تلك المدن ودون أدنى بحث عن الأسباب التي تقف وراء تشكل تلك المدن بهذا الشكل تحديداً، وهي المهمة التي سيضطلع بها لاحقاً روبير برونشفيغ Robert Brunschvig في مقال كثير الاقتباس أيضاً بعنوان "العمران القروسطي والشريعة الإسلامية" urbanisme médiéval et droit musulman.
في هذا المقال الهام، يقترح برونشفيغ أن هذه الخصائص تعود في واقع الحال لتشريعات دينية تراكمت عبر أجيال من القضاة وترسخت على الأرض في صورة نمط عمراني يشمل مدن العالم الإسلامي. يلجأ برونشفيغ في إسناد تحليله إلى الباحث الألماني أوتو شبيز Otto Spies ، والذي قدم في وقت سابق دراسة حول حقوق الجار في الفقه الإسلامي. إلا أن برونشفيغ انتقد شبيز لاستناده على آراء الشافعية وحدهم دون المالكية، بالرغم من أن أحد أهم أعمال ابن الإمام (و هو فقيه مالكي ولد في القرن العاشر في طليطلة واستقر به الحال في قرطبة قبل أن يهجرها إلى القيروان) كان قد تُرجم بالفعل إلى الفرنسية وقتذاك. يعتمد برونشفيغ في إسناده على مصدر آخر يعود إلى القرن الرابع عشر وهو ابن الرامي وهو تونسي اشتغل بالعمارة قبل أن يرتقى إلى منصب كبير القضاة.
إذاً اعتمد برونشفيغ، باستثناء إشارته لأبحاث شبيز، على مصادر يعود أغلبها إلى المغرب العربي أيضاً. وهو في ذلك ينهل من نفس المصدر الذي أسس عليه الأخوان مارسيه فرضياتهما عن المدينة الإسلامية. وهي نقطة سنعود إليها لاحقاً بعد أن نتتبع مساراً آخر في تطور مفهوم المدينة الإسلامية.
في العام 1949 أصدر لوتورنو Roger Le Tourneau كتابه الأول عن مدينة فاس بعنوان "فاس قبل الحماية الفرنسية: دراسة اقتصادية واجتماعية للمدينة في المغرب الإسلامي" Fès avant le protectorat: étude économique et sociale d'une ville de l'occident musulman. Thèse pour le Doctorat. تنبع أهمية الكتاب من كونه مرجعاً مركزياً لثاني محاولة مبدئية لوصف البنية المادية المدينة الإسلامية، تلك التي قدمها كارلتون كوون Carleton Coon في كتاب بعنوان "قافلة: قصة الشرق الأوسط" Caravan: The Story of the Middle East والذي يعد واحداً من أكثر الأدبيات الغربية تأثيراً في دراسة الشرق الأوسط. صدر كتاب كوون في العام 1951، ويعتمد فصل كامل من الكتاب بعنوان "البلدة والمدينة" على مدينة فاس كحالة دراسية، والتي تعتمد كتاب لوتورنو الصادر في 1949 كمصدرها الأول. فمن أصل 33 صفحة هي متن هذا الفصل، تتكرر الإشارة إلى فاس في 28 منها، وعلى الرغم من ذلك يبدو كوون واثقاً في تعميم استنتاجاته عن فاس على المدينة الإسلامية ككل.
تظهر فاس مرة أخرى في كتاب لوتورنو الثاني "الحياة اليومية في فاس في العام 1900" وفي ملخصه الآخر "المدن الإسلامية في شمال إفريقيا" والذي يعتمد في أغلبه على تعميمات مستمدة من فاس كحالة دراسية. أحد الانطباعات اللافتة التي يخرج بها المرء لدى قراءة لوتورنو هو الإعادة. فوصف فاس في "الحياة اليومية في فاس في العام 1900" يعود مرة أخرى كما هو في كتاب "فاس في عصر بني مرين"، والتعميمات التي استخدمها لوتورنو لوصف مدن شمال إفريقيا تحمل أيضاً تشابهاً مريباً بين وصف فاس عام 1900 ووصفها في العصور الوسطى!
يستمر التركيز على المغرب العربي في أعمال جاك بيرك Jacques Berque ، خصوصاً في كتابه الأكثر اقتباساً "المدن المخططة والمدن التلقائية." Medinas, villesneuves et bidonvilles من غير المحتمل أن يعيد المرء صياغة شاعرية بيرك، إلا أنه بالبحث فيما وراء العبارات المنمقة سنجد ولا شك تعلقاً بذات الأوصاف التي ذكرناها سابقا. فنجده يطرح في صفحتي 12 و13 سؤالاً حول ما الذي يجعل من المدينة مدينة في المغرب؟ وفي معرض إجابته عن هذا السؤال يحيلنا مرة أخرى لمقال ويليام مارسيه، الذي كان قد مر على صدوره 30 عاماً حين كتب بيرك كتابه، ليحدد 3 متطلبات هي المسجد الجامع والسوق والحمام العام! وإذا ما حللنا هذا الاستنتاج على طريقة بيرك سنجده يعرف المدينة الإسلامية وظيفياً بكونها مكاناً للتعبد والتجارة، وهي طريقة أخرى للقول بأن المدينة الإسلامية هي المكان الذي يجد فيه المرء المسجد والسوق.
إذا كان الإسناد الأول لتعريف المدينة الإسلامية في الدراسات التي سبق ذكرها يبدأ حصراً من المغرب العربي وخصوصاً مدينة فاس، فإن نقطة البدء للإسناد الثاني تأتي من سورية، استناداً على دراسات جان سوفاجيه على حلب ودمشق. وتتمتع دراسات سوفاجيه بتأثير بالغ على تطور الصورة الذهنية للمدينة الإسلامية، إلى الحد الذي عادة ما يتم إغفال التناقض القائم بين استنتاجاته عن صعود المدينة الإسلامية من رحم تحولات المدينة البيزنطية، وبين مفهوم المدينة الإسلامية المأخوذ من دراسات المغرب العربي ومن مدينة فاس على وجه الخصوص، بشكل يبدو معه الباحثون كما لو كانوا مقتنعين بوجهتي النظر، على تناقضهما، في نفس الآن.
في الفترة بين القرن الثالث عشر والقرن السادس عشر اختفى العديد من الفروق المميزة بين المدن التي بناها السلاطين والأمراء وبين المدن التي كانت قائمة بالفعل في العالم العربي آنذاك. وهي ذات الفترة التي تغطيها دراسة إيرا لابيدوس Ira Lapidus والتي أصبحت فيما بعد من الكلاسيكيات، بغض النظر عن العنوان المبالغ فيه للدراسة : "المدن الإسلامية في العصور الوسطى المتأخرة" Muslim Cities in the Later Middle Ages. وقد كان لابيدوس قد قدمها في الأصل كرسالة لنيل الدكتوراه في هارفرد قبل أن تراجع للنشر عام 1967.
في مقدمة الدراسة يحجم لابيدوس عن مساءلة فرضية ماكس فيبر Max Weber المتعلقة بالفروق بين المدن الأوروبية والآسيوية، فيقول أنه "سيقتصر في كتابه على وصف عدد من المدن الإسلامية، مع التركيز على دمشق وحلب في فترة حكم المماليك بين 1250 - 1517، استناداً إلى دراسات عن القاهرة المملوكية." و بالرغم من ذلك، تطرح المقدمة نفسها سؤالاً عاماً حول كيفية إدارة المدن الإسلامية، فيتناول الفصل الأخير من الكتاب بشكل غائم عدداً من العلاقات التي تشكل في رأيه نظام الإدارة في المدن الإسلامية. إن تكرار اقتباسات المستشرقين من هذه الدراسة لاحقاً للتدليل على عدم وجود حكم بلدي في المدن الإسلامية (و هو ما يتناقد مع ما طرحته الدراسة نفسها) يرجح اعتماد الباحثين على عنوان الدراسة كمصدر للمصداقية أكثر من محتواها.
وعليه يمكن القول بأن إسناد المدينة الإسلامية في درجته الأولى يعتمد بشكل حصري على دراسات المستشرقين الفرنسيين في المغرب العربي، وبشكل خاص مدينة فاس، بينما يعتمد في درجته الثانية على حلب ودمشق كما عاينهما سوفاجيه وحللهما لابيدوس. وفي كلا الدرجتين اعتمد الإسناد على مجموعة من التعليقات والأوصاف الاعتباطية الخاصة بأماكن وأزمان معينة، والتي اكتسبت مكانة مجردة قابلة للتعميم. وبتكرار اقتباس الرواية وورودها في الدراسات المختلفة أصبح إسنادها أكثر مناعة وموثوقية. ضاعت مع الوقت جذور الرواية الأصلية التي بُنيت على أوصاف تخص مدناً بعينها في أزمنة سابقة أو اختزلت كترجمة لأحكام دينية مجردة عن سياقها. في كل الأحوال، تغاضى الباحثون عن أن المدينة الإسلامية هي كيان حي، وأن النظام السياسي والاجتماعي لهذه المدينة ينمو ويتطور عبر الزمن، وأن الأوصاف الواردة لدمشق وحلب من القرن الرابع عشر تحت الحكم المملوكي لا يمكن بأي حال أن تقدم وصفاً موحداً لماهية المدن الإسلامية عموماً.
في كتابي السابق عن القاهرة، وقعت فريسة لهذا الفخ الذي نصبه المستشرقون، فقبلت سلطة استنتاجاتهم عن طبيعة المدينة الإسلامية. بدا لي آنذاك الصرح الضخم الذي شيدوه عبر السنين قوياً ومنيعاً على النقد، قبل أن تتكشف لي رويداً مؤامرة القص واللصق. ويقتضي الحال هنا أن أوجه عناية القاريء إلى كتاب "المدينة الإسلامية" من إعداد ألبرت حوراني و صمويل ستيرن والذي يقدم بداية عقلانية لنقد الدراسات السابقة. فيوضح حوراني في مقدمته أن شمال إفريقيا كانت مصدراً لعديد من الأمثلة التي استمد منها المستشرقون تعميماتهم. وثانياً فإن مقالات ستيرن وكاهان الواردة في الكتاب تعد رفضاً واضحاً للدراسات التقليدية التي تمت على موضوع روابط الحرف والصناع والتي لم توجد حقيقة في مدن العالم الإسلامي. وثالثاً فإن مقالات صالح أحمد العلي وجاكوب لاسنر على المدينة الدائرية (المدينة التي تأسست عليها بغداد) كمثال على المدن المخططة في الإسلام، لا تشبه نمط المدن المخططة الذي تعتمده الدراسة بأي حال. منذ ذلك الحين، قمنا بإضافة عدد من الدراسات الجديدة على المدن العربية وبضع من الكتب وكثير من المقالات صدرت بعناوين مختلفة تشير كلها للمدينة الإسلامية. إلا أننا لم نصبح أكثر تأكداً مما سبق. ما أوضحه ديل أيكلمان في مقاله "هل هناك مدينة إسلامية؟" إلا أنه لم يتضح قدر الكفاية إلا في مقال آخر لأيكلمان وكينيث براون. الحقيقة أن أغلب الدراسات في هذا الشأن لازال يركز على مدينة واحدة ليستنتج منها تعميمات على سائر المدن عوضاً عن طرح السؤال الأساسي : لماذا نفترض تشابه المدن الإسلامية؟ وإذا تشابهت، فما هي الطريقة التي ينبغي أن يكون عليها هذا التشابه؟ وهو السؤال الذي سأخصص له الجزء الثاني من هذا المقال.
إلا أنه وقبل الخوض في هذا، أود أن أعرج على قصة شخصية من زيارتي للهند في أواخر السبعينات بحثاً عن - أملاً في ألا أعثر على المدينة الإسلامية. ولشدة دهشتي، كان من غير العسير تمييز الأحياء المسلمة عن الأحياء الهندوسية، حتى أن بعض الإشارات التلقائية حملتني على تمييز ثمة نمط ما. مثلاً: نسبة الذكور إلى الإناث في الأماكن العامة كانت دائماً أعلى في الأحياء المسلمة عنها في الأحياء الهندوسية. محال الجزارة وغيرها من الأنشطة المتعلقة بالحيوانات كانت حصرياً في الأحياء المسلمة. أيضاً كانت الأحياء المسلمة أكثر ضجيجاً وحيوية، فيم كان صوت الآذان فقط جزء من هذا الضجيج.
تجلت هذه السمات بوضوح في الفضاء العام للمدينة، إلا أن هذا الوضوح ما لبث أن تراجع في الفضاءات الخاصة وشبه الخاصة والتي بدت بحواريها الضيقة وأفنية منازلها أقل اختلافاً بل وربما إلى الحد الذي لا يمكن معه تمييز الأحياء الهندوسية الفقيرة عن مثيلاتها المسلمة. إلا أن السلوك العام المتسم بالحرص خارج حيز السكن كان دوماً أعلى في الأحياء المسلمة. قد يعود تفسير ذلك لاختلاف أحكام الحجاب بين الطائفتين، إذ تتحجب المرأة الهندوسية فقط أمام الأقارب (خصوصاً عائلة الزوج) بينما تتحجب المرأة المسلمة فقط أمام الأغراب من خارج الأسرة. ما يترتب عليه ترسيم الحدود بين داخل وخارج المنزل في حالة الإسلام. لكن بشكل عام بدا أن الأنماط الاجتماعية المتعلقة بالفصل الجندري أو بالممارسات الغذائية المرتبطة بالدين هي ما يميز بين أحياء الطائفتين في المدن المختلطة.
هذا بالتأكيد لا يمثل اختباراً لصحة الفرضية التي أحاول إثباتها، لذا حاولت أن أقارن بين النمطين العمرانيين لمدن الهندوس ومدن المسلمين. فوجدت أن المدن التي أنشأها المسلمون أو أدخلوا عليها تعديلات كبيرة تبدو فضاءاتها وشوارعها منغلقة ومتعرجة بعكس المدن ذات الأصل الهندوسي التي تبدو فضاءاتها منتظمة وممتدة في خطوط مستقيمة لا يعيقها بروزات أو تعديات. وهو ما يشير إلى أن الاختلاف في بنية المدن التي عاينتها قد لا يكون بسبب الدين بالضرورة بقدر ما يعود لنمط تملك الأراضي وطبيعة التشريعات المنظمة لها في كل منطقة.
تمثل الاختبار التالي في البحث عن الأدبيات التي تناولت المدينة الإسلامية في الأطراف البعيدة. في أفريقيا جنوب الصحراء، زعم الباحثون سابقاً بوجود اختلافات بين المدن التي يسكنها مسلمون وغيرها، إذ تتسم مدن المسلمين بضيق وتعقيد نظام الطرق كما تحتوي على بيوت ذات أفنية ويفصل سكانها بين الرجال والنساء. كذلك يشير سكان بعض المدن ذات الغالبية المسلمة في إندونيسيا والصين إلى أن اختلاف شبكة الطرق التي تتسم أيضاً بالضجيج وبحضور الثقافة الإسلامية في الفضاءات العامة. لكن حين يتناول المرء هذه الحالات بالدراسة، سيتضح ولا شك أن ما يميز المدينة الإسلامية يعدو عن كونه نمطاً شكلياً أو طابعاً عمرانياً، إذ ستبدو حينها الأنماط المحلية أقل شبهاً بمثيلاتها في دمشق وفاس.
فما الذي يميز المدينة الإسلامية إذاً؟ من الصعب أن نقول على وجه التحديد، لكن من الواضح أنه بالتأكيد ليس شكلها. فكما تقدم يمكن للقاريء أن يرى أن المسشرقين في بحثهم عن هذا الشيء ركزوا على عدد من القوى الفريدة التي تقاطعت في ظرف تاريخي ومكاني معين لإنتاج مدن بعينها، استخدمها أولئك لاحقاً كحالات نموذجية يمكن مقارنتها ودمجها والقياس عليها لإنتاج نموذج مثالي أوحد يمكن تعميمه. هذا النموذج المثالي في رأيهم كان (ولايزال؟) هو المدينة الإسلامية. ولا أقصد هنا الباحثين والمستشرقين في الماضي، بل أقصد أيضاً المسلمين في الحاضر ممن ينقبون عن المدينة الإسلامية في الممارسات الغابرة للعمارة والعمران بحثاً عن طرق لإعادة إنتاجها. للأسف، أرى أن كل هؤلاء قد فاتهم أن يدركوا عبث مساعيهم. فشكل المدينة هو نتاج لتقاطع فريد بين العديد من العوامل في ظرف مكاني وتاريخي معين. المدينة في أي لحظة من تاريخها هي محض صورة تخفي وراءها نظاماً معقداً للبناء والهدم والتنظيم وإعادة التنظيم. السؤال الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا هو: أي من هذه القوى والتقاطعات أنتج مدينة إسلامية مثالية؟