مراسلات مويزي غينزبورغ ولوكوربيزييه
Ginzburg, Moisei. Sovremennaia Arkhitektura (Современная Архитектура), 1930, pp. 61–63
تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.
في هذا النص نطالع عدداً من الرسائل التي تعود إلى ربيع العام 1930، تبادل على صفحاتها كل من لوكوربزييه وغينزبورغ العتاب وفنّد كل منهما وجهة نظر الآخر حول مزايا وعيوب التكثيف العمراني في مقابل اللامدينية. من ناحية، عمد لوكوربيزييه إلى إثناء غينزبورغ عن التحول باتجاه أوخيتوفتش وإعادته إلى حظيرة المشروع الحداثي وفق رؤية المجلس العالمي للعمارة الحديثة CIAM. ومن الناحية المقابلة، وجد غينزبورغ في أفكار أوخيتوفتش مساحة للتفكير في عمارة متحررة من أعباء الرأسمالية الغربية. كان غينزبورغ مقتنعاً أن تحذير لوكوربيزييه الشهير "إما العمارة أو الثورة" لا ينطبق على الاتحاد السوفياتي، فالسوفيات قد ثاروا بالفعل!
ولا تعود أهمية تلك الرسائل فقط إلى ما تحويه من حديث نظري، بقدر ما تظهره من سرديات مختلفة ومتزامنة للحداثة المعمارية، تحديداً من وجهة علاقتها مع التقانة. بشكل يضحد الأحادية المتخيلة عن نشأة الحداثة قصراً ضمن سياق أوروبي غربي متقدم صناعياً. كما تظهر تلك الرسائل أيضاً نمطاً محلياً متميزاً من الحداثة المعمارية من داخل السياق الاستثنائي للاتحاد السوفياتي في نهاية العشرينات، الذي وإن خبا سريعاً، ستتكرر أصداؤه في تيارات نقد الحداثة عند طليعيي الستينات كمجموعة سوبر ستوديو في فلورنسا وأركيغرام في إنكلترا كما في بعض طروحات ريم كولهاس عن الريف في مطلع الألفية الثالثة.
في العام 1929، وعلى صفحات مجلة سوفرمنايا أرشتكتورا (العمارة المعاصرة)، نشر عالم الاجتماع السوفيتي ميخائيل أوخيتوفتش مقالاً بعنوان "في مسألة المدينة" يطعن في قدرة المدينةعلى الاستجابة لتحديّات التقانة والاجتماع وعلاقات الإنتاج الجديدة في مطلع القرن العشرين. يقول أوخيتوفتش "المدينة وإن رسم الاجتماع البشري حدودها وارتسمت هي به، لا يلزمها بالضرورة أن تكون محدودة بالجغرافيا، فهي تركيب تقني ثقافي بالأساس. وإذا نظرنا للمدينة من هذه الزاوية يكون لزاماً علينا أن نسأل: هل من المحتّم جمع كل وظائف المدينة المعاصرة في كتلة كثيفة ثابتة؟ هل المدينة حتمية؟ ... إن ثورة النقل والميكنة تقلب كل الأفكار المطروحة اليوم عن التكثيف العمراني رأساً على عقب. يمكننا اليوم أن نعيد انتشارنا على ظهر الكوكب بشكل أفضل. بقي أن نحدد الكيفية التي يجب أن تتم عليها إعادة الانتشار." يسائل طرح أوخيتوفتش المدينة برمّتها كفكرة، ويستدعي الصدام مع طروحات الحداثيين الغربيين الذين وإن وافقوا أوخيتوفتش الرأي في أن مدينة القرن التاسع عشر لا تصلح للقرن العشرين، إلا أن رؤيتهم للتحديث (وهنا يظهر لنا جانب من الوجه المحافظ للمشروع الحداثي الأوروبي) اقتصرت على تكثيف المدينة القائمة ورفع كفاءتها بما يتناسب مع المخترعات الحديثة وعلى رأسها السيارة.
في المقابل، رأى أوخيتوفتش، وشاركه عدد من زملائه في حركة البنائية السوفياتية ، أنه لا مناص من التخلص من فكرة المدينة نفسها، وإعادة بناء المجتمع البشري على أسس تقنية جديدة مفارقة للتوسع المديني الذين رأوه امتداداً للاعقلانية القرون الوسطى ومساحة لإنتاج واستهلاك الصرعات البورجوازية. أطلق أوخيتوفتش على ذلك "اللامدينية" وهو اصطلاح يصف "تباعد مركزي مستمر للعمران تحركه التقانة". المجتمع اللامديني، هو مجتمع غير كثيف، يقوم على الحراك المستمر للتجمعات البشرية حسب المقتضيات التقنية التي تخدم بالأساس الرفاه البشري لا المراكمة الرأسمالية.
كان طرح أوخيتوفتش بمثابة الإطار النظري لعدد من التصميمات الهامة لمجموعة العمارة المعاصرة (OSA) وعلى رأسها مويزي غينزبورغ و الأخوة فيزنن الذين أسهموا عبر صفحات السوفرمنايا أرشتكتورا بين 1926 - 1930 في وضع السمات المميزة لحركة البنائية السوفياتية. كذلك كان طرح أوخيتوفتش السبب في إقلاع عدد منهم، ولا سيما غينزبورغ نفسه، عن النظريات القائلة بالتكثيف العمراني وتجاوز انبهارهم المبكر بالحداثة الأوربية في نسخة لوكوربزييه. ظهر ذلك بوضوح في تحوّلهم من تصميم مدن مركزية كثيفة، كمخطط نيكولا كراسلئنيكوف لـ"المدينة الإشتراكية الجديدة" في 1928 والذي يستحضر إلى الأذهان مخططات لوكوربيزييه في مطلع العشرينات، وتبنيهم لرؤى أوخيتوفتش عن اللامدينية والتي ظهرت بوضوح في مقترح "المدينة الشريطية" عام 1930.
جاءت المدينة الشريطية ممتدة ومتشعبة بطول خطوط المواصلات. تنمو وتضمحل وتتحور تبعاً لمعطيات التقانة. ولا يوجد بها أبنية ثابتة، فكل سكانها يعيشون في وحدات سكنية خفيفة يمكن تعديلها بشكل مستمر حسب الحاجة. رأى أوخيتوفتش أن تثوير علاقات الاجتماع البشري في مجتمع ما يتطلب أولاً "إنتاج أشكال معمارية ثورية يمكنها أن تستوعب المحتوى الاجتماعي الجديد" وفي ثم لا عجب أن مخططات لوكوربيزييه المركزية وناطحات السحاب الضخمة التي تتراص في وسطها بدت كأصنام بدائية في أعين البنائيين السوفيات.
وبالرغم من أن عديداً من المؤرخين يرون اليوم أفكار أوخيتوفتش كانت محض خيال طوباوي، إلا أن مصادر تاريخية متواترة تظهر أيضاً أن أفكاره وٌضعت محل التنفيذ في مخطط مدينة مغنيتوغورسك عام 1930، بل واعتُمدت كمنهج رسمي في سنوات الخطة الخمسية الأولى للاتحاد السوفياتي (1928-1932). فكانت السياسة العمرانية الرسمية للاتحاد السوفياتي هي العمل على تفكيك التجمعات الحضرية القائمة وإعادة تخطيطها بشكل شبكي على اتساع الدولة. إلا إن صعود تيار محافظ داخل دوائر الثقافة السوفياتية بالتزامن مع إطاحة ستالين بمن تبقى من منافسيه وإحكام سيطرته المباشرة على الممارسة المعمارية عبر اتحاد المعماريين السوفيات (تأسس في تموز-يوليو 1932 كهيئة حكومية تقوم بالإشراف على مجمل شئون العمارة في الاتحاد السوفياتي) ثم كيل الاتهامات الشعبوية والتشهير بغينزبورغ ومجموعته من قبل عدد من المعماريين الذين آثروا دعم ستالين، أسهمت كلها بأشكال مختلفة في ارتكاس العمارة في الاتحاد السوفياتي إلى ممارسات رجعية وسمت مجمل الإرث المعماري لعهد ستالين. وفي غضون ذلك أُسدل الستار بنفي أوخيتوفتش إلى معسكرات العمل القسري في الغولاغ حتى وفاته عام 1937.
للمزيد يمكن مراجعة الدراسة المستفيضة التي أعدها هيو د. هدسون حول الموضوع بعنوان "رعب العمارة السوفياتية: مقتل ميخائيل أوخيتوفتش" Hudson, Hugh D. Jr. (1992). Terror in Soviet Architecture: The Murder of Mikhail Okhitovich. Slavic Review, Vol. 51, No. 3. pp. 448-467
موسكو في 17 آذار-مارس 1930
عزيزي غينزبورغ،
سأغادر موسكو مساء اليوم. وكان قد طُلب مني أن أكتب تقريراً عن مسابقة "المدينة الخضراء"، إلا أنني لم أفعل، فأنا لا أود أن أصدر أحكاماً على أعمال الزملاء (يقصد الأعضاء السوفيات في المجلس العالمي للعمارة الحديثة المعروف اختصاراً بـCIAM، والذي كان قد تأسس في العام 1928 بتنسيق لوكوربيزييه وضم بشكل أولي 28 معمارياً كلهم من الأوروبيين) وقد جاوبت الطلب بشكل غير مباشر، وقمت بتقديم بعض الملاحظات للجنة الفنية. وملخص ملاحظاتي تلك، لا يتفق بأي حال مع كل ذلك الحماس الذي أثارته تلك الكلمة البسيطة "اللامدينية" والتي تدور حولها المسابقة.
أولاً، أرى أن هناك تناقضاً ذاتياً في المصطلح نفسه. فكلمة "لامدينية" هي التباس جوهري يصلح فقط لمراوغة المفكرين الغربيين وإضاعة وقت الهيئات الفنية في النقاش حوله. المجتمع البشري معقد. وفي مواجهة تعقيده، لن يلقى أولئك الذين يحاولون التعامل مع مشكلاته بحلول سريعة ومبسطة إلا العناء. فهذا التعقيد ينتقم دوماً ممن يحاولون تسطيحه بتغييرات جذرية هنا أو هناك. قولبة شكل الاجتماع البشري بحسب رغبات المخططين هو محض سذاجة، فالحياة وحدها هي التي تقرر شكل المجتمع!
مساء أمس، بينما كنا في مكتب نائب الرئيس بقصر الكرملين، تفضل السيد ميلوتن بترجمة مقطع من نص لـ لينين. وفحوى النص تبدو بعيدةً كل البعد عن دعاوى اللامدينية، بل على العكس، تبدو أقرب من حيث المبدأ إلى نظريتنا القائلة بحاجة المدينة إلى إصلاح عمراني. يقول لينين "إذا أردنا إنقاذ الفلاح، علينا بتصنيع الريف." لم يتحدث لينين قط عن "ترييف الصناعة"، وهنا تكمن المغالطة. تصنيع الريف يعني خلق عمران حضري كثيف يجمع الإنسان والآلة في قلب الطبيعة. بحيث تدفع الآلة الفلاح للتفكّر، وتلهم الطبيعة ساكن الحضر بعد أن صقلت المدينة حواسه. فالعقل ينمو ويثمر فقط ضمن إطار المجموعة.
الناس، في كل زمان ومكان، بحاجة إلى التعاضد. وفي الظروف المناخية القاسية، كما في روسيا، يصبح تجمع الناس مرتهناً بتعاونهم على الأنشطة التي يمكنهم من خلالها إنتاج ما يكفيهم الحاجة. فالفكر نفسه هو نتاج مباشر للتعاون الإنساني. الفطنة البشرية تطورت تاريخياً وتضاعفت احتمالات تطبيقها عبر جماعات أكبر من البشر. الذكاء البشري هو بالأحرى وليد التكثيف العمراني. بينما التبعثر والتباعد، في المقابل، هو ما يخيف البشر، هو ما يجعلهم أفقر، ويحلّل ما يجمعهم من روابط التنظيم الروحي والمادي، ويعيدهم إلى حالة البداءة الأولى. ألم تلحظ أن معدلات الوفيات تكون دوماً أقل في المجتمعات الأكثر كثافة؟ ألم تلحظ أن أعظم ومضات التاريخ الإنساني كانت في مدن كثيفة. أثينا مثلاً على عهد بركليس كانت أكثر مدن العالم كثافة، ولم يختر أفلاطون وسقراط سواها لمناقشة أفكارهما.
قبل عشرة قرون أنتجت لنا الحضارة غير المميكنة هذه المدينة التي نراها من موقعنا اليوم ككارثة مروعة. دعنا نتفق إذن أن الانعتاق يكمن في إعادة تأهيل تلك المدن، التي ستظل تتوسع شئنا أم أبينا، كي تتمكن من مراكمة المزيد من منجزات العصر الحديث من وسائل مواصلات وصروح ثقافية وتنظيمات صناعية وغيرها.
عزيزي غينزبورغ، العمارة الحديثة هي حرفة تختص تحديداً بتنظيم حياة التجمعات البشرية. ولعلك تذكر أنني كنت أول من طالب بتحويل المدينة الحديثة إلى حديقة عامة كبيرة: إلى مدينة خضراء. إلا أنني لأتمكن من ذلك، رفعت الكثافة الحضرية إلى أربعة اضعاف وقلصت المسافات المقطوعة داخل المدينة بدلاًمن مضاعفتها. ومع كل ذلك، لا يصعب علي تصور النموذج العمراني المتباعد الذي تقترحه، شريطة أن يتم تطبيقه على بلدة خضراء صغيرة ملحقة بتجمع حضري كبير يذهب إليها الناس للاستجمام في عطلة نهاية الأسبوع. كما أردفت في تعليقاتي للجنة الفنية أن تلك البلدة الخضراء الصغيرة يمكنها أن تكون منتجعاً رياضياً يقضي فيه سكان المدينة الكبيرة أوقات التريض والراحة والاستمتاع بالطبيعة بحسب جداول يضعها أطباء البلدة، أو يمكنها أن تكون كراجاً كبيراً للصيانة تتزود فيه السيارات بالوقود والزيوت اللازمة لسلامة أدائها.
أرجو ألا تستشعر مني نبرة عدائية حين أقول لك بلطف أن "البشرية في مسيرة مستمرة نحو التمدين." ولتتأمل تلك التفصيلة الهامة في مقترحكم اللامديني والتي يوصي ببناء أكواخ من القش في الغابة على أطراف المدينة الخضراء. مرحى! يا له من أمر رائع طالما كان لتمضية عطلة نهاية الأسبوع. فلا يمكنك بأي حال أن تقنعني أنك تريد هدم موسكو لتستبدلها بأكواخ من القش!
من كل قلبي، ل.ك.
(لوكوربيزييه)
عزيزي لوكوربيزييه،
نقاشنا المستمر حول تخطيط المدن وخطابك الأخير دفعاني لإعادة التفكير في الأمر برمته. وقد تأملت اعتراضاتك الواردة في الخطاب والتي ذكرت طرفاً منها في لقائنا الأخير في موسكو. تعلم أنني ككل الزملاء هنا، أحترمك لا فقط كأستاذ معماري بارع، بل لقدرتك الفريدة على توليد حلول جذرية لمشاكل التنظيم المدني بالغة التعقيد. بالنسبة لي، أنت أعظم ممثل للمهنة التي تُكسب حياتي المعنى والهدف. ولهذا السبب فإنني أنظر لأفكارك وطروحاتك في مجال التخطيط المدني باهتمام بالغ.
أخبرتني مراراً أنك تحب الطبيعة، وأنك تهوى العيش في وسط الخضرة. وقد قلت في خطابك أنك أول من دعى لتحويل المدينة إلى حديقة عامة كبيرة، وأخبرتني أثناء تنزهنا في شارع تفرسكايا (شارع غوركي اليوم) أن بيريه وكل المعماريين الفرنسيين حاولوا إخراج وظيفة السكن إلى خارج المدينة. أنت نفسك كنت من أوائل من طرحوا ضرورة إحاطة الإنسان ببيئة طبيعية مثالية، وهي ذاتها المشكلة التي نحاول أن نجد لها حلاً راديكالياً اليوم. إلا أنك لا تشعر معي بضرورة الحل الراديكالي. وبالرغم من موهبتك الفذة، تخور قواك أمام التناقضات الموضوعية للرأسمالية الحديثة.
من دراستي ومتابعتي الدقيقة لأعمالك أرى أن محور مشروعك النقدي هو تدوير زوايا المدينة القديمة، وإعادة تأطيرها كي تتوافق مع متغيرات العصر. أنت أكثر جرّاحي هذا العصر خبرة بما يثقل كاهل المدينة المعاصرة، وتود لو أمكنك أن تداوي عللها بأي ثمن. ترفع البنايات فوق أعمدة أملاً في حل مشاكل الزحام المروري، وتضع حدائق مزهرة فوق أسطح بناياتك العالية أملاً في أن ترد للمدينة بعضاً من الخضرة المفقودة، وتصمم بيوتاً ينعم ساكنيها بالراحة والهدوء وسط الصخب والتلوث. إلا أنك تفعل كل ذلك لأنك تريد أن تنقذ المدينة من الفشل، تريد أن تحافظ عليها كما هي، أو بالأحرى كما تريدها الرأسمالية.
في المقابل، فإننا في الاتحاد السوفياتي نجد أنفسنا اليوم في موضع أفضل، فلا يربطنا بالماضي ما يربطك. التاريخ يضعنا أمام استحقاق لا مفر منه إلا بحل جذري. وبالرغم من مواردنا المحدودة إلا أننا نملك العزم على حل مشاكلنا مهما كلّف الأمر. لقد توصلنا إلى نفس التشخيص الذي توصلت إليه: المدينة الحديثة مريضة بشدة. إلا أننا نفضل هدمها والعمل على تصميم نمط اشتراكي جديد للتجمع البشري متحرر من تناقضات الرأسمالية.
نعلم أن رفع البنايات فوق أعمدة - وقد رأيت ذلك في بعض أعمالنا - لن يكون حلاً جذرياً لمشاكل الازدحام المروري. فقيادة السيارة بين أعمدة البنايات الحداثية لا تفرق كثيراً عن قيادتها في شوارع المدينة القديمة الضيقة. ونعلم أن الحدائق فوق أسطح البنايات قد تكون حلاً معمارياً ممتازاً، إلا أنها لن تعالج مشاكل التلوث ولن تكون بديلاً عن الفضاءات العامة. نحن نبحث عن حلول حقيقية ترتكز على الوحدة السكنية نفسها، لا أن نجعل منها فيلا فخمة أو غرفة فندق على النمط الأوروبي.
ذكرت في خطابك أن إحصاءات عالمية تظهر أن معدلات الوفيات تكون أقل في المجتمعات الكثيفة، ونسيت أن علة ذلك هي أن المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة على الأرجح هي قرى فقيرة ليس لديها من الثقافة الصحية أو حتى أبسط سبل العيش ما يمكنها من البقاء. ذكرت أن الثقافة والفكر لا يزدهران إلا في مجتمع كبير، ونسيت أن هذا تحديداً هو وصف المجتمع الرأسمالي دون غيره. في الاتحاد السوفياتي في المقابل نرى أن الثقافة حق لعموم الناس، ولا يجب أن تظل حكراً على فئة من سكان الحضر. ليس من الحكمة أن ننقل مائة مليون مواطن من بلداتهم الريفية البعيدة إلى المدن كي نطور ثقافتهم، فذلك لن يكون إلا على حساب انهيار الزراعة. نريد أن نستفيد بمزايا التكثيف التنموي لكن دون أن نخسر ما تحققه اللامركزية في نشر الثقافة بشكل متوازن بين مجمل السكان. لذا، يجب علينا أن نطور أنماطاً اشتراكية جديدة من التجمعات البشرية ترتكز على إزالة الفوارق بين المدينة وسواها.
أقدر اقتباسك من لينين. لكنك تقول أن اهتمامه كان منصباً على إنقاذ ساكن الريف وأنه لم يذكر قط ساكن الحضر. إلا أنك مخطئ يا عزيزي، ليس فقط بشأن لينين، بل بشأن إنغلز وماركس كذلك. فثلاثتهم كانوا مهمومين بساكني الريف والحضر معاً، فهما وجهين لمشكلة واحدة.
يقول لينين "إعادة انتشار البشرية أمر ضروري. من الواجب فك عزلة سكان الريف وتحرير جموع سكان المدن الكبيرة من هذا الزحام اللاإنساني" ويقول إنغلز "إن فصل القرية عن المدينة حكم على ساكن القرية بالسقوط في دوامات التخلف وأسلم ساكن المدن لنير الاسترقاق الرأسمالي. لقد دمّر هذا الفصل أسس التطور الروحي للأول وصادر آمال الثاني في التطور المادي" ويقول ماركس "التناقض بين القرية والمدينة هو التعبير الأكثر فجاجة عن استسلام النفس إلى تقسيم العمل، والذي يقسم الأفراد إلى حيوانات حضرية محدودة وأخرى ريفية محدودة."
أشرت في خطابك إلى محاولات بيريه غير الناجحة لإخراج وظيفة السكن إلى خارج المدينة، ومن منظورنا نرى أن فشله كان متوقعاً. فقد حاول بيريه فصل عضو من أعضاء جسد معقد التركيب، ناسياً أن هذا العضو لن يكون ذا نفع دون باقي الجسد. إزالة السكن من المدينة، هو بالأحرى ليس سوى إزالة للمدينة ذاتها ولكل ما يمدها بالثقافة والإنتاج. في المقابل نحن، بعكس بيريه، نحاول خلق جسد متكامل.
نريد للعامل المجهد أن يستمتع بحياته كما يستمتع بها ابن المدينة. ولن يتم ذلك بمقاربات جانبية تشغلنا عن تناقضات الرأسمالية وتجمل من أثرها، بل بخلق تجمعات بشرية جديدة تليق بمستقبل أفضل. نعلم أننا لم نجد الحل الأمثل لذك بعد، إلا أننا لا يجب أن نكف عن طرح المشكلة للبحث. وهذه هي مهمة المعماريين الراغبين في الانضمام إلى ركب الاشتراكية. نأمل في أن نتعلم منك في المستقبل، كما في الماضي، ما يعيننا على حل مشاكل المستقبل.
إليك تحياتي وتحيات الزملاء،
م. غينزبورغ