ليلى سيوانغ
Seewang, Laila. “Ernst Litfaß and the Trickle-Down Effect.” AA Files, no. 75, 2017, pp. 45–57.
تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.
أعمدة ليتفاس هي أسطواناتٌ معدنيةٌ خضراء داكنٌ لونها، تعلو قليلاً فوق ثلاثة أمتار ويزيد قطرها عن المتر بقليل. هي تذكاراتٌ برلينيةٌ من القرن التاسع عشر، بعكس الشوارع التي تنتصب على نواصيها، تقف تلك الأعمدة إلى يومنا هذا منيعةٌ على آثار الزمن والحروب وإعادة الإعمار. وُضعت النسخة الأولى من الأعمدة المعدنية الخضراء في شوارع برلين في العام 1855 لتكون حاملاً لوسيط إعلامي جديد في حينه هو الملصقات المطبوعة. وبرغم أن تغييرات عديدة قد طرأت على التصميم الأصلي في سنواته الأولى فتحوّل من أسطوانة خفيضة غير مزخرفة إلى تنويعات مزخرفة عديدة ذات تيجان مزركشة وقباب مزهوّة، إلا أن وظيفته لم تتغير كثيراً.
صُممت أعمدة ليتفاس بشكل أساسي كقناة للإعلام المطبوع الجديد، إلا أنها أيضاً كانت تمثيلاً لأفكار عصرها عن الجماليات الألمانية والتنظيم المدني. الأعمدة الخضراء هي أيضاً إسهام برلين الأبرز لكتالوغٍ تاريخيٍ من العناصر الحضرية المميّزة لمدن عدّة حول العالم. هي في منزلة مداخل أنفاق مترو باريس، أو كابينة الهاتف اللندنية، أو حنفية الإطفاء الأميركية. وكما غيرها من تلك العناصر الحضرية المحيّرة الواقعة بين مجالات العمارة والتصميم الصناعي والبنية الأساسية، حضورها ثانوي إلا أنه يحظى بتقديرٍ ما لدى سكان المدينة. وكشاهدٍ على هذا التقدير، تنتصب نسخةٌ من عمود ليتفاس على تقاطع شارعي مونتس Muenzstraße وآلمشتادت Almstadtstraße في وسط برلين تخليداً لذكرى العمود وذكرى مصممه، إرنست ليتفاس Ernst Litfaß.
مصمم العمود، كمثل العمود الذي يحمل اسمه، هو أيضاً شخصيةٌ محيرة. يلحظ المرء إهداءاً موجزاً كُتب على العمود التذكاري يصف الرجل كـ "أحد رواد الأعمال المبدعين في زمانه" وهو إهداءٌ عامٌ وغامضٌ بقدر ما هو حديثٌ أيضاً. ما نعرفه أن الرجل بدأ حياته كممثلٍ في فرقةٍ مسرحيةٍ متنقلة، ثم أصبح محرراً في أحدى شركات الدعاية الآخذة في الانتشار حديثاً في ذلك الوقت. وبينما كانت برلين تلتمس طريقها نحو عصر الاستهلاك السريع، اغتنم ليتفاس فرصةً تاريخيةً للتحكم في مادة عمله، أي الجسم الإعلاني ذاته.
في العام 1854 توجّه ليتفاس بفكرته إلى وزارة التجارة والصناعة والأشغال العامة مؤكداً على فعاليتها في مواجهة فوضى الملصقات الدعائية التي اجتاحت المدينة، وأنها ستضع حداً لتسابق المعلنين على الاحتلال العشوائي لواجهات البنايات والمحال وأعمدة الإضاءة وجذوع الأشجار، فضلاً عن تراكم مخلفات الملصقات التالفة في الشوارع. وافقت الوزارة من فورها على مقترح ليتفاس وخصّصت لأعمدته مائة موقع في شوارع العاصمة البروسية. إلا أن الوزارة لم تدرك حينها أنها قد أعطت ليتفاس امتيازاً إعلانياً يشمل كل برلين. كان ذلك احتكاراً تاماً برعاية الشرطة الملكية التي بادرت بتمزيق كافة الإعلانات الأخرى تمهيداً لتجميعها في أماكنها الجديدة الموحّدة.
في الوقت نفسه، مثّل الاحتكار الأول نقطة انطلاق لاحتكارات أخرى. فماكينات الطباعة وقطعيات الورق التي لم تكن إلى حينه قد تم تنظيم قياساتها، أصحبت الآن محكومةً بالقياسات الجديدة الموحدة لأعمدة ليتفاس. ما عني اضطرار المعلنين على المدى القصير إلى اللجوء لخدمات ليتفاس لطباعة وتوزيع ولصق إعلاناتهم، وعلى المدى البعيد، اعتماد التوحيد القياسي لصناعة الطباعة البرلينية برمّتها. ما عني بالنتيجة الحاجة إلى المزيد من أعمدة ليتفاس. في برلين منتصف القرن التاسع عشر، نرى إذن انقلاب لنبوءة فكتور هوغو الشهيرة في أحدب نوتردام (1832) "الطباعة تقتل العمارة". كان هوغو أول من أشار لأثر الكلمة المطبوعة في إزاحة العمارة عن دورها التاريخي كحاملٍ للمعاني والأفكار في الفضاء العام، لكن على نقيض ذلك، لم تنتج طابعة ليتفاس نوعاً معمارياً جديداً وحسب، بل ضمنت أيضاً انتشاره وتوسعه كأحد مفاعيل تماهي النظام العام مع رأس المال وانعكاس ذلك التماهي على تصميم الحياة الحضرية نفسها.
أعمدة ليتفاس إذاً كانت مشروعاً حداثياً بامتياز، إلا أن ذلك كان أيضاً مشكلتها الأكبر. فشوارع برلين القرن التاسع عشر، المكان الذي ستقام فيه أعمدة ليتفاس، كانت أي وكل شيء، إلا أنها بالتأكيد لم تكن حداثية. فغير الـBürgersteig – حرفياً "رصيف المواطنين" وهو مسار ممهد للمشاة عرفته شوارع ألمانيا منذ العام 1515 – كانت شوارع برلين القرن التاسع عشر فوضويةً وقذرةً وغير ممهدة. وهي في هذا الأمر لم تكن لتختلف كثيراً عن غيرها من العواصم الأوروبية، فعلينا أن ندرك أن أرصفة التسوق الباريسية المثيرة التي سيتجول فيها متسكعي فالتر بنيامين لم يزل أمامها نصف قرن آخر كي تأتي إلى الوجود.
إلا أنه حتى وبالمعايير المتواضعة لتلك المرحلة، كانت اعتبارات الصحة العامة في شوارع برلين متدنية للغاية بالمقارنة بغيرها من مدن العالم. فشوارع المدينة كانت المثوى الأخير لمخلفات كل من 800,000 نسمة و27,005 حصاناً و2,874 بقرة و2,370 خنزيراً و726 من الخراف و24,949 من الكلاب هم جملة سكانها حينئذ. حتى وإن تحاشينا الحديث عن القمامة المنتنة التي تملأ الشوارع ونفايات السلخانات التي تتسبب في الانسداد المتكرر لمزاريب الصرف والمخلفات الصناعية التي تطوف من المصانع مع كل شتاء، كانت الرائحة الكريهة والهواء الفاسد يشتملان كل أجواء المدينة. فبدون نظامٍ فعالٍ لجمع القمامة كان كل ما تنتجه برلين من قمامة تقريباً، يبقى عالقاً في شوارعها.
علينا إذاً أن نرسم صورة للسير في شوارع برلين القرن التاسع عشر كمغامرةٍ ينبغي أن نكون على قدر من الحيطة والتدبير حين القيام بها. فإن لم يتسن لك ركوب عربة تجرها الخيول لتقلّك فوق برك الوحل والأوساخ، لن يكون بوسعك سوى استئجار خدمات أحد الحمالين وهم مجموعة من العمال يعينون المارة لدى عبورهم الطرقات باستخدام جسور صغيرة متنقلة أو يسيرون بهم محمولين على محفات خشبية. لغالبية البرلينيين كانت شوارع برلين في منتصف القرن التاسع عشر شراً لا بد منه، كانت بالأحرى مكاناً عارضاً نتج عن تقسيم المدينة إلى بنايات وأحياء، تستخدمه المدينة كمكبٍ لنفاياتها ويستخدمه الناس بمزيد من الحذر للتنقل، لكنه ليس عنصراً حضرياً تم تصميمه بذاته.
وعليه، يمكننا القول أن حيلة ليتفاس لتجميع أوراق الملصقات التالفة كانت جزءاً صغيراً من مشكلة نفايات أكبر بكثير. كان على المدينة أن تواجه أخيراً حقيقة أن نموّها العشوائي على مدى القرن السابق كان قد تم بسرعة تعجز أجهزتها التقنية والإدارية حينئذ عن مجاراتها. فاقم من سوء الوضع أن السلطة التنفيذية على شوارع برلين في هذه الحقبة لم تكن قد استقرت بعد. فبوصفها مقر الكرسي الملكي لآل هوهنتسولرن كانت سلطة إنفاذ القانون في شوارع برلين تابعة للشرطة الملكية، إلا أن صيانة تلك الشوارع والالتزام بما تتكلفه من مصروفات كان في عهدة بلدية برلين وهي مجلس تمثيلي منتخب يشغل عضويته عدد من ملاك الأراضي البروسيين، إلا أنه كان حديث العهد ودون صلاحيات واضحة.
هذا الإطار القانوني، أو ربما الارتباك الناتج عنه، هو ما جعل برلين، كما يتضح من صعود ليتفاس السريع، هامشاً نشطاً لحركة طبقة ناشئة من رواد الأعمال ممن توجّب عليهم التفاوض مع البنى السياسية القائمة: البلاط الملكي، الوزارات، البلديات، إلخ. لتأمين موطئ قدم في الفضاء المديني. واقع الأمر أن أياً من تلك القوى السياسية لم تكن مهتمة بالفعل بطموح ليتفاس لتثوير صناعة الطباعة والدعاية في برلين، سيّما وأنهم سيقومون بتمويل أعمدته نيابةً عن دافعي الضرائب.
كانت تسديدة ليتفاس الصائبة هي أنه قام بتصميم عرضه التقديمي ليخاطب مشكلةً حقيقيةً تؤرق تلك القوى، ألا وهي مشكلة جمع القمامة. باع ليتفاس فكرته، لا فقط كعمودٍ أسطوانيٍ لعرض الملصقات الدعائية والنشرات العامة، بل أيضاً كأول شبكةٍ موحدةٍ من الكبائن العامة التي يمكن أن يستخدم فضائها الداخلي كسبيل للشرب وحمام عمومي. لم يكن من المستغرب أن تمنحه بلدية برلين، فضلاً عن وزارة الأشغال العامة، موافقتها الفورية، فعمود ليفتاس مثّل وعداً بنظام جديد موحّد لجمع مخلفات المدينة ومخلفات أجساد سكانها معاً في ضربة واحدة.
يحتفي عمود ليفتاس بهذه الازدواجية بين ما هو خارجيٌ وعام في مقابل ما هو داخليٌ وخاص. تظهر أحدى رسومات التصميم الأولي الأسطوانة منتصبة في زهاء وسط ميدان عُبّدت أرضه بالحجارة، يتحلّق حولها زمرة من البرلينيين الأنيقين يتطلعون بنظرات عابرة إلى الإعلانات المختلفة التي ترصع سطح الأسطوانة الخارحي. تظهر رسومات أخرى الاستخدامات المختلفة للفضاء الداخلي للأسطوانة، فهي مبولة عمومية وحنفية للشرب وُصفت مياهها في أحد الشروح المرفقة بـ"العذبة النقية"، بينما تطرّقت شروحٌ أخرى لتناول القواعد السلوكية التي تشتمل العالمين الداخلي والخارجي: "تلك الحاجة الطبيعية التي تلحّ على المرء بين الحين والآخر، والتي لا يمكنه إجابتها على الملأ، والتي تؤذي جسده إن امتنع عن إجابتها، يُمكننا الآن أداءها في الخفاء بسهولة ويسر."
للأسف، كانت تلك الدعاية الأولى غير دقيقة إلى حد ما، ففي زمن كتابتها العام 1855، كانت أغلب أحياء برلين بلا بنيةٍ أساسية. كان هناك القليل من المواسير والصنابير العمومية التي لا يمكنها بالتأكيد تغذية تلك الشبكة من الحنفيات العمومية، فضلاً عن أن المدينة عموماً كانت بلا نظامٍ للصرف الصحي يمكن الاعتماد عليه، فحتى تلك اللحظة لم تكن هناك مجارير تجري شوارع برلين. وبالتالي فاستخدام عمود ليتفاس لقضاء الحاجة لم يكن في واقع الأمر يعني أكثر من قضائها في الشارع مرة أخرى، لكن من خلف ستار. كان العمود وهماً؛ إدعاءاً للنظام في مواجهة واقع فوضوي، أو ربما إيماءة إلى مستقبل غير بعيد عن تلك اللحظة ستمتلك فيه المدينة شبكةً متكاملةً من البنية الأساسية يُمكن لهذه الأعمدة أن تكون جزءها الظاهر فوق سطح الأرض.
إلا أنه ولأسباب مفهومة، وكما في غيرها من المبادرات التي تحاول أن تؤلف بين تحقيق الصالح العام وجني الربح الخاص، تأجّلت خطة الحمامات العمومية، لتأتي أعمدة ليتفاس الدعائية إلى الوجود، مع كامل دعم الدولة البروسية، خاوية من الداخل. مجرد أيقونات أسطوانية حضرية تنتشر في أرجاء المدينة شاهدة على عصر الإعلام الجماهيري، فعلى التبول الجماهيري أن ينتظر بضع سنوات أخر.
في تلك المرحلة كانت أجساد سكان المدينة والتحكم في وظائفها وفضلاتها قد أصبحت شأناً عاماً تُعنى به الإدارة البلدية للمدينة، وكانت مسألة وقت قبل أن تستحدث البلدية حلاً معمارياً لذلك. وهو ما سيتحقق لاحقاً مع إنشاء شبكة لمياه الشرب والصرف الصحي في سبعينيات القرن التاسع عشر (وهو زمان متأخر مقارنة بلندن وباريس وهامبورغ) في أعقاب توحيد ألمانيا وما تلاه من سنوات ازدهار لعاصمتها. لم تقتصر هذه الأنظمة المدينية الجديدة على المباول العامة، بل شملت أيضاً المراحيض والأسبلة ومحطات الضخ وحقول معالجة الصرف الصحي على أطراف المدينة. أعادت هذه الأنظمة أيضاً تعريف الجسم البشري ووظائفه كامتداد للنسيج الحضري، وهو ما انعكس على النظرة العامة تجاه النظافة الشخصية والمسؤولية الأخلاقية عن السلامة العامة. وهكذا، ترافقت إعادة فهم الممارسات الشخصية كشأن عام مع إعادة فهم معماري للعاصمة الإمبراطورية الجديدة، والتي تحولت مع انتصاف القرن التاسع عشر إلى مركز يتكثف فيه حضور المرافق الأساسية من محطات لخطوط الـS-Bahn المستحدثة والتي رُفعت على دعامات فولاذية في أرجاء المدينة وتمديدات الغاز ومحطات ضخ المياه والصرف الصحي وأبراج خزانات المياه وأعمدة الإنارة والكهرباء.
كان عمود ليتفاس قمة هذه الشبكة المعقدة من البنية الأساسية بالمعنيين المجازي والحرفي، بالإضافة إلى كونه هو نفسه أحد النماذج المبكرة لعمارة جديدة من أنظمة البنية الأساسية المتكاملة. كجهاز حضري قائم بذاته، شكل عمود ليتفاس خروجاً عن التقليد التاريخي الشائع لارتباط المبولة بالمباني العامة. أفضل مثال على ذلك في برلين هو محطات القطار، وهي بالأساس أول المباني العامة التي وفرت مرحاضاً عاماً لمرتاديها من الرجال (يبدو أن النساء لم يشعرن أبداً بنداء الطبيعة). في هذه الفضاءات العامة الجديدة، اختبر سكان المدينة للمرة الأولى تجربة الانتظار العام. في برلين، كما هو الحال في باريس أو لندن، كانت إحدى السمات غير المرغوبة للميكنة والتنظيم الحديث للحياة الحضرية هي الانتظار – في طوابير مكاتب البريد أو عند بوابات دفع رسوم المرور أو شراء تذاكر القطار – وبما أن الحاجات الجسدية البشرية لم تكن دائماً متزامنة مع إيقاع شبكات الأنظمة الحضرية، كان لا بد من تخصيص أماكن لتلبية نداء الطبيعة – عادةً حيثما يكون الانتظار أطول.
سرعان ما تطلب تصميم هذه المساحات نوعاً من الخبرة والاختصاص المهني، وكانت مراحيض محطات القطار من نصيب المعماريين. فخصص عدد عام 1868 من مجلة Deutsche Bauzeitung، وهي مجلة معمارية متخصصة، ثلاث صفحات لتناول مراحيض محطات القطار بالشرح والتفصيل، بدءاً من مواقعها على أرصفة المحطات أو داخل المباني المجاورة وصولاً إلى تقسيمها الداخلي والحيل المتبعة لإبعاد البول عن الأرضيات والجدران والأحذية. في العقود القليلة التي سبقت ذلك، كان وصول المزيد من شبكات النقل إلى قلب المدينة بالتزامن مع انفصال عوالم العيش والعمل، سبباً في ظهور نوع جديد من المارة في شوارع المدينة، وهو الموظف المسافر. سواء أكان عالقاً عند تقاطعات المرور، أو منتظراً لدوره عند بوابات الرسوم على حدود برلين، أو مبدلاً من شبكة مواصلات إلى أخرى، كان على هذا الموظف المسافر أن يقضي حاجته متى وأينما كان، وهو ما من شأنه أن يزيد طينة شوارع برلين بلة. لذا ارتأت الإدارة البلدية حفاظاً على الحد الأدنى من متطلبات الصحة العامة والمظهر المديني نقل مسؤولية تلبية نداء الطبيعة إلى عهدتها، وبالتالي تحولت دفة الحديث العام من كون التبول مسؤولية فردية إلى كونه شأناً عاماً يتطلب حلاً آنياً.
كان على سلطات برلين التحقق أولاً من كيفية تناول المدن الأخرى لنفس المشكلة. تحقيقاً لهذه الغاية، أرسلت شرطة المدينة في وقت مبكر من عام 1829 موظفاً مدنياً، وهو المقرر فيلين، لإجراء بحث ميداني حول المراحيض العامة في باريس. قدم فيلين تقريره مع رسومات وتحليلات مفصلة عن إيجابيات وسلبيات كل مرفق من المرافق. ورغم اعترافه بالتقدم التقني الفرنسي، تضمنت رسومات وشروح فيلين أيضاً، وربما لشك بروسي متأصل في ثقافة وأخلاق الفرنسيين، أوصافاً تصور رواد المراحيض الباريسيين كأشخاص على قدر ما من اللصوصية والشبهة.
ومع ذلك، كان لدى فيلين تقدير كبير لموضوع بحثه، المراحيض نفسها. فاهتم بشرح ووصف مجموعة كبيرة من التصميمات بما في ذلك المباول القائمة بذاتها والتصاميم المثمنة والمراحيض المخططة مركزياً والمباول الموضوعة كصفوف داخل مبانٍ أخرى. كان بعضها عبارة عن شبكات معدنية بسيطة، بينما بدا البعض الآخر أشبه بنسخة مصغرة من خيمة السيرك. من بين هذه المباول، كانت هناك مبولة أسطوانية تقع داخل عمود، ربما هي المصدر الأصلي لإلهام ليتفاس. هذه الأعمدة نفسها، سيتولى لاحقاً تصنيعها وتوريدها غابرييل موريس، المنافس الفرنسي لليتفاس.
في رسومات فيلين، لا نجد ما يؤشر على وظيفة هذه الأسطوانة سوى مجرى صغير يقود المياه العادمة إلى بالوعة الصرف الصحي (أحد المشاريع الهامة التي اعتبرها فيلين ضرورية لعمل هذه المباول بشكل صحيح إلى جانب إمدادات المياه الجارية للتنظيف). ولكن أهم ما كشفه بحث فيلين هو أن الحل يمكنه أن يكون موجوداً ككيان مستقل، وأنه يمكن أن يكون موجوداً في الشارع. على الرغم من أن شوارع برلين لم تكن قد طورت بعد هوية بصرية يمكن الاحتكام إليها كإطار جمالي في تصميم المباول، إلا أن تلك الشوارع كانت بالفعل مكاناً لعدد من المرافق الأخرى التي يستعملها عدد متزايد من الموظفين المسافرين. كان الشارع البرليني في الواقع يستوعب عدداً من المرافق العامة والخاصة – سكك الحديد وتمديدات الغاز والمياه وخزانات مكافحة الحرائق وأكشاك الصحف والطعام – وفي هذه العملية تحول الشارع من مساحة اعتباطية من الفضاء الحضري إلى عنصر أساسي للهوية البصرية للمدينة.
في باريس، تم استيعاب المرافق المماثلة في خطة بلدية شاملة عام 1854 مع إعادة تخطيط البارون هوسمان للعاصمة الفرنسية بأكملها. لكن في برلين، ومع إدارتها المعقدة وغير المنسقة، كان الجدال حول المباول العامة وتصميمها مفتوحاً بشكل مدهش للجمهور. وعليه، كان تصميم أول مرحاض عام في برلين خلال ستينيات القرن التاسع عشر موضوعاً لسلسلة من المسابقات المعمارية المفتوحة. وقد طرح عدد كبير من المشاركات مراحيض قائمة بذاتها صُممت كنسخ مصغرة عن المباني العامة أو البيوت الريفية. لم تقتنع السلطات البلدية والخزانة البروسية بذلك، وبدلاً من ذلك طلبت السلطات 15 تصميماً أكثر بساطة وحضرية من الحديد والزجاج، والتي جاءت في مجملها متأثرة بالنماذج الباريسية الواردة في تقرير فيلين.
بحلول منتصف القرن التاسع عشر، كان ببرلين 56 من هذه المرافق، كلها مزودة بمياه جارية ومتصلة بأول شبكة إمدادات مياه بلدية في المدينة. لم تكن بالضبط بنفس تصميم عمود ليتفاس، فقد كانت مفتوحة من جانب واحد، على غرار النماذج الباريسية الأخرى التي درسها فيلين عام 1829. وعلى الرغم من ملائمتها من الناحية الفنية والوظيفية، تعالت الأصوات بالشكوى إزاء مشهد الرجال وهم يتبولون في الأماكن العامة، حتى وإن كانت هناك أدلة كثيرة على أن هذا الأمر لم يكن سبباً لهذا القدر من الضيق سابقاً. تشير هذه الشكاوى إلى تغير في معايير اللياقة العامة، وإلى مقاومة مجتمعية للطريقة التي اكتسبت بها بعض الأفعال الخاصة، كالذهاب إلى المرحاض، مكانة رسمية في الشارع – وهو المكان الذي بات يُنظر إليه بشكل متزايد كجزء من المجال العام.
كان هذا المجال يتشكل تدريجياً وفق تصورات البورجوازية الصاعدة التي بدأت تهيمن على التمثيل السياسي والنشاط الاقتصادي والإدارة المدينية ووسائل الإعلام المطبوعة في ألمانيا. كانت ثقافة هذه الطبقة – آراؤها حيال الشأن العام ومعاييرها الأخلاقية وتحيزاتها الجنسانية والدينية – هي ما يرسم حدود الفضاء العام والسلوكيات المقبولة فيه. كان مظهر الشارع نفسه كما لياقته وآدابه انعكاساً لثقافة هذه الطبقة. وبغض النظر عن تحولات الشارع البرليني كمكان لأعداد متزايدة من الناس، فإن البورجوازي البرليني أواخر القرن التاسع عشر كان متمسكاً باعتقاده بأن فعل التخلص من الفضلات البشرية مكانه داخل المنزل لا خارجه.
مع تحول المجالس البلدية إلى مجالس منتخبة، تتشكل في معظمها من المنتمين إلى هذه الطبقة البورجوازية، انتزع المجلس البلدي ببرلين السيطرة على الشوارع من الدولة، وبالتبعية أصبحت المراحيض العامة مسألة بلدية. شرع المجلس البلدي الجديد منذ عام 1875 في استبدال المراحيض الصغيرة بمرافق أكبر حجماً تتضمن مزيداً من الخصوصية والستر. وسرعان ما انساق الرأي العام المعماري أيضاً مع التيار الجديد فامتلأت المجلات المتخصصة بتصميمات جديدة للمباول تتناغم مع الجماليات الصناعية قليلة الزخارف للسكك الحديدية وأعمدة إنارة الشوارع. أحد أفضل هذه التصميمات يعود لعام 1876 وأنجزه موظف مدني يُدعى كارل تيودور روسبات Carl Theodor Rospatt. المقصورة الخضراء التي صممها روسبات أصبحت هي أيضاً أيقونة برلينية، ولا يزال بعضها مستعملاً إلى اليوم وقد أعيد تجديدها مؤخراً.
عُرفت مقصورة روسبات مثمنة الأضلاع باسم "كافيه آختيك" (بالألمانية: المقهى المثمن) تهرباً من تسمية المرحاض باسمه. كانت الواجهات المعدنية المثقبة تسمح بدخول الضوء والهواء وتبدد الروائح وتعمل أيضاً كستارة تحجب ما خلفها جزئياً بما يوفر الخصوصية ويكفي لردع الأنشطة غير المشروعة. أما داخلياً، فقد تم تخطيط كل شيء بشكل مركزي لتقليل أعمال السباكة إلى الحد الأدنى، تماشياً مع مفهوم المدينة الكفؤة، حتى وإن لم تكن تلك المدينة متصلة بعد بنظام متكامل للصرف الصحي.
قوبلت الجوانب التقنية والوظيفية لمقهى آختيك بردود فعل إيجابية للغاية. لكن من الناحية الجمالية كانت زخارفه المعدنية تجعله قريب الشبه من الأكشاك العشوائية الصغيرة التي كانت تملأ شوارع برلين وقتذاك. كان ذلك القلق اعترافاً ضمنياً بأن الشارع لم يعد مساحة متبقية بين المباني، بل أصبح عنصراً مدينياً مستقلاً له لغته المعمارية الخاصة، وهي لغة تسعى إلى التماهي مع وضع المدينة الجديد كعاصمة لألمانيا الموحدة بعد عام 1871. بهذا المعنى، انتقد مقهى آختيك لأن تصميمه لم يعكس قيمة ثقافية رفيعة – على عكس الأبنية العامة في ذلك الوقت، والتي كانت تعكس واجهاتها تصميمات كلاسيكية – وهي التهمة نفسها التي ستوجه لاحقًا ضد العمارة الصناعية أو الوظيفية أو الحداثية بشكل عام. بدا كما لو كانت المراحيض عالقة في معركة ثقافية بين متطلبات الوظيفة والثقافة – فلا هي سقيفة ولا هي كاتدرائية.
أهم من كل ذلك، كان مقهى آختيك مجرد مبولة للرجال. أما توفير مراحيض كاملة للنساء فظل مسألة عالقة دون جواب. انقسمت الحكومة البلدية حيال الأمر، مما وضع السلطة التنفيذية في مواجهة السلطة التشريعية في نقاش استمر على مدار الثلاثين عاماً التالية. انطلقت المحاولة الأولى عام 1873، قبل أن ينحدر النقاش حول المراحيض النسائية العامة إلى جدل حول سبب وجود النساء في المدينة، أو بالأحرى حول أي نوع من النساء قد يقبلن استعمال مرحاض عام في المقام الأول. كان عمدة المدينة وسلطته التنفيذية (جميعهم من الذكور) داعمين لمساعي التحديث المديني إلى أن كشفت هذه القضية تحديداً عن رجعيتهم.
بالمقابل كانت السلطة التشريعية (وجميعهم من الذكور أيضاً) أكثر تقدمية بشأن الفصل بين الجنسين. توصل الطرفان إلى حل وسط بوضع عدد محدود من المراحيض النسائية في المناطق التي قد تتردد عليها "السيدات المحترمات" في المدينة، أي بالقرب من المدارس ودور الحضانة أو داخل دار البلدية أو في حدائق المدينة. وفيما عدا ذلك، ظل الرأي السائد حتى نهاية القرن هو عدم تشجيع أي "سيدة محترمة" على استخدام المراحيض العامة، لما فيه من خطر أخلاقي وجسدي. بحلول عام 1877، أي بعد مرور أربع سنوات، لم يكن هناك سوى ثلاثة مراحيض نسائية في كل برلين. كان مصمم مقهى آختيك قد اقترح منذ البداية تعديل التصميم الأصلي ليشمل مرحاضاً للنساء، حتى أنه كان قد خطط للكشف عن النسخة المعدلة في معرض تجاري عام 1879. إلا أنه اضطر في النهاية لسحبها من المعرض بسبب "الشكوك الكثيرة حول إقامة هذا النوع من المرافق في الأماكن العامة."
في العام نفسه تحول النقاش إلى معركة حول الدلالات اللغوية، حيث دعا أحد ممثلي السلطة التشريعة إلى تغيير تسمية المرافق إلى "مراحيض النساء" بدلاً من "مراحيض السيدات"، في محاولة لتوجيه النقاش إلى الممارسات العامة المتعلقة بالجسد الأنثوي بدلاً من حصرها بالفئة الطبقية. ولكن سرعان ما تنبهت الحكومة البلدية إلى أن صحة ونظافة الفرد مرتبطة أيضاً برفاهية المجموع، فتحول بناء المراحيض النسائية من جدل أخلاقي إلى ضرورة طبية، وهي الحجة التي سادت في نهاية المطاف. في غضون عام واحد كانت بلدية برلين قد كلفت متعهديها بإنشاء 27 مرحاضاً عاماً لتلبية احتياجات الرجال والنساء. احتوت هذه المرافق على مقاعد خشبية وأكشاك فردية وعامل نظافة بدوام كامل.
كان المرفق الجديد مزيجاً غريباً. من ناحية، هو منشأة حديثة قائمة بذاتها ومتاحة لكلا الجنسين بشكل عملي، وفي ناحية أخرى، هو منشأة من القرون الوسطى، إذ كان يتعين على المرء أن يفرغ دلو المخلفات السائلة بشكل دوري في بئر صحي، فالمرفق لم يكن متصلاً بعد بنظام صرف صحي متكامل. ونتيجة لذلك، اجتذب المرحاض العام مجدداً عدداً كبيراً من الشكاوى، ولكن هذه المرة بسبب الرائحة الكريهة. كان الاستياء مرتبطاً كذلك باحتمال أن تكون هذه الروائح سبباً في انتشار العدوى. ورغم إشارة العلماء إلى أن الخطر الحقيقي يكمن في الجراثيم وليس في الروائح، أبعدت هذه المراحيض إلى حدائق المدينة والغابات. في النهاية فشلت التجربة، كتجربة ليتفاس من قبلها، بسبب فشل المتعهدين في الحفاظ على مجانية المراحيض للمستخدمين الأكثر فقراً (الشرط الذي فرضته البلدية لاحتكار الخدمة).
بالمقابل قدمت هذه المرافق الكثير من المعلومات رغم عدم تحقيقها لجميع أهدافها. في وقت كان جمع البيانات محوراً للجهود البيروقراطية والعلمية، ركزت برلين على تنظيم هذه الخدمة بفعالية كبيرة عبر دراسات استقصائية شاملة، على غرار دراسة فيلين، لمعرفة مستخدمي المراحيض وأوقات الاستخدام المشاكل الصحية المتصلة بها.
أظهر الباحثون تأثير مكتب إحصاء برلين، الذي تأسس عام 1862، في تحديد اتجاه التنمية الحضرية، سواء فوق الأرض أو في باطنها ضمن شبكات البنية التحتية. وقد استخدمت إحصاءات المكتب لإضفاء نوع من النظام على تعقيد فوضى المدينة الحديثة. فقد أثبتت البيانات الرقمية أهمية إدارة المراحيض كمشروع عام وشامل. وبحلول عام 1905، تولت بلدية برلين إدارة جميع المرافق العامة، وتعهدت ربط المباني الكبيرة بنظام المياه والصرف الصحي الجديد، الذي امتد ليخدم المراحيض العامة منتقلاً من الاستخدام البورجوازي الخاص إلى المجال العام.
منذ ذلك الحين، اندمجت المراحيض العامة مع تطورات البنية التحتية لتصبح واجهة تربط الجسم البشري بأنظمة تدفقات المدينة. شكل عمود ليتفاس رمزاً استشرافياً لهذا الواقع الجديد. كان رؤية مستقبلية وطموحة لمدينة حديثة ومنظمة يجد فيها كل شي، حتى الفضلات البشرية، مكانه المناسب. يقف عمود ليتفاس، على صغر حجمه، في تناقض واضح مع أهمية الأسئلة التي يثيرها، فيما يتصل بتقسيم الفضائين العام والخاص.
اليوم وللمفارقة، تدير شركة الإعلان الفرنسية التي أنتجت أعمدة موريس في باريس في ستينيات القرن التاسع عشر مقاهي آختيك المجددة، الأمر الذي يضع المزاوجة بين الإعلام والنظافة العامة في دورة كاملة. ورغم فشله في حل مشكلة اتساخ الشوارع في خمسينيات القرن التاسع عشر، كان عمود ليتفاس محور نقاش هام حول إدارة الفضاء المديني واستخدامه لإيواء الوظائف الجسدية. بحلول القرن العشرين، أصبحت برلين مدينة منظمة تعكس انطباعنا المعاصر عن الهوية الألمانية. وكما أشار صحفي فرنسي عام 1906، فإن "النظام والرخاء العام في برلين نتجا عن يقظة السلطات واحترام القوانين من قبل المواطنين. حتى أن المرء بوسعه استبدال لافتة الحدود الألمانية بعبارة تقول: هنا حيث تحترم القوانين."