ريم كولهاس
“Generic City.” SMLXL, by Rem Koolhaas, Monacelli Press, 1995, pp. 1239–1264.
تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.
١.١ أتصبح المدينة المعاصرة كالمطارات المعاصرة، نسخ عن بعضها؟ كيف يمكننا أن نفهم هذا التشابه؟ لا يمكن لهذا التشابه أن يكون ممكناً إلا على حساب طمس الهوية، وهو ما يراه البعض عادةً كخسارة. إلا أنه على اتساع مدى تلك الخسارة، لابد أن يكون وراءها شيء ما. ما هي مضار الهوية، وبالمقابل، ما هي فوائد طمسها؟ ماذا لو كان ذلك التجانس الطارئ على المدن حول العالم عملية قصدية، حراك واعٍ نحو مدن تشبه بعضها؟ ماذا لو كنا نشهد حركة عالمية للتحررمن الخصوصية الثقافية؟! ماذا يتبقى بعد أن ننزع الهوية عن كل شيء، الاعتيادي؟
١.٢ إن استلهام الهوية حصراً من التاريخي يجعلنا عاجزين عن تخيل أي إسهام للمعاصر، ذلك الذي نصنعه بأيدينا، في صياغتها. إلا أن تنامي أعداد البشر يؤذن بأن الماضي سوف يصبح "صغيراً" جداً بحيث يستحيل أن يتشاركه أو يعيش فيه من هم على قيد الحياة. نحن، بمجرد وجودنا، نقضي على الماضي، إلى الحد الذي سوف تقفز عنده أعداد البشر فوق كل احتمال لاستهلاك ما هو متاح من تاريخ سابق. الهوية، كشكل من أشكال تشارك الماضي، هي قضية خاسرة. مع الزيادة السكانية الحالية، سيتضاءل ما يمكننا امتلاكه من التاريخ، بل لن يكون لامتلاكه أي معنى. فالتاريخ سلعة سرعان ما تتضاءل أهميتها كلما أفرطنا في تداولها. يتفاقم كل هذا في ظل طوفان متعاظم من السياح يجرف كل هوية ممكنة في مسعاه المستمر نحو تسليع الخصوصية الثقافية.
١.٣ الهوية مصيدة، كلما ازدادت قوتها ازدادت قدرتها على الحصار والسجن، وكلما ازدادت مقاومتها للتجدد وإعادة التأويل واستيعاب التناقض. باريس يمكنها فقط أن تكون أكثر باريسية. واقع الحال، أنها نسخة مبالغة من نفسها بالفعل. بعكس لندن، التي تتخذ من اللا-هوية هويتها الوحيدة، فتتحول دائماً إلى ما لا يشبهها، وكلما تخلصت من تشبهها بنفسها كانت أكثر انفتاحاً وأقل جموداً.
١.٤ الهوية تعيد كل شيء إلى مركز ما. مأساة الهوية يمكن فهمها بمجاز هندسي بسيط، ككرة منفوخة كلما تعاظم حجمها، ازداد خواءها وضعف تأثيرها. وفق هذا المجاز، تتسع المسافة بين المركز الأوروبي وأطرافه المستعمرة إلى نقطة تنتفي معها تبعية الأطراف للمركز. بالمقابل، تعرقل محاولات المركز المنهك لاستعادة مركزيته قدرتنا على قراءة الأطراف ككتلة حرجة جديرة بالاهتمام. فالمركز على صغر حجمه تعريفاً، ليس إلا سراب متضخم يحجب صفة المركزية عما سواه.
يطلق أهل مانهاتن على ركاب وسائل مواصلات هناك اسم "شعب الجسر والنفق" – في إشارة إلى استخدامهم نفق وجسر بروكلين للوصول إلى جزيرة مانهاتن – إلا أن ضرائب شعب الجسر والنفق هي ما يمول البنية الأساسية للمدينة. التكريس المعاصر للمركز يجعلنا جميعاً كشعب الجسر والنفق، مواطنون من الدرجة الثانية في أوطاننا، محرومون بفعل المصادفة الغبية لوجودنا بعيداً عن المركز.
١.٥ في نشأتي – قضى الكاتب سنوات شبابه في أمستردام، وهي مدينة شديدة المركزية – كانت لمركزية وسط المدينة التاريخي كمحل للقيمة والمعنى، قوة تدمير مزدوجة. فالتضخم المستمر لنفوذ المركز التاريخي يستنزف موارده من ناحية، ومن ناحية أخرى يضعه في سباق مستمر من الصيانة كي يحفظ تفوقه على الأطراف الأحدث. بوصفه المكان الأهم، يظل المركز مطالباً بأن يكون الأقدم والأكثر ثباتاً، وفي الوقت ذاته الأحدث والأكثر ديناميكية. يمر المركز بأشد أنواع التحولات وأكثرها جذرية ليتم لاحقاً اخفاءها بعيداً عن العين المجردة.
في هذا الشأن توصلت مدينة زيورخ إلى أكثر الحلول راديكالية وكلفة. فاخترعت نوعاً فريداً من الأركيولوجيا العكسية، تتراص فيه مراكز التسوق ومواقف السيارات والبنوك في طبقات تحت مركز المدينة. لا يتضخم المركز هنا صعوداً أو اتساعاً وإنما نزولاً باتجاه باطن الأرض. في منظومة واحدة تتجاور العديد من المشروعات بين فتح طرق ووصلات وتقاطعات وأنفاق وتحويل مجمعات سكنية إلى إدارية وكنائس مهجورة إلى ملاهٍ ليلية. بين الافتتاحات المتتابعة لمجمعات التسوق وتحويل الفضاءات الخدمية إلى فضاءات عامة وشوارع السيارات لشوارع للمشاة والمزيد من الحدائق العامة، يحاول المركز استعادة مركزيته المتخيلة عبر إفراغ الواقع بشكل متواصل.
١.٦ في المقابل، المدينة الاعتيادية منعتقة من أسر المركز. تكسر المدينة الاعتيادية حلقة التبعية المدمرة بين المركز والأطراف، لا تمثل سوى احتياجات الحاضر و إمكاناته. هي مدينة بلا تاريخ وهي كبيرة بما يكفي للجميع. بسيطة ولا تحتاج لصيانة. إذا ضاقت بمن فيها توسعت، وإذا أصبحت عتيقة دمرت نفسها ذاتياً. هي مثيرة للاهتمام والضجر بنفس القدر، وهي سطحية مثل ستوديوهات هوليوود، تنتج لنفسها هوية جديدة صباح كل يوم اثنين.
٢.١ تضخمت المدن الاعتيادية بشكل كبير خلال العقود القليلة الماضية. لم تتضخم فقط في حجمها، بل وفي أعدادها أيضاً. في أوائل السبعينات سكنها رسمياً قرابة ٢,٥ مليون نسمة (وحوالى نصف مليون نسمة بشكل غير رسمي) بينما يقارب تعداد سكانها الآن – نُشر النص عام ١٩٩٥ — ١٥ مليون نسمة.
٢.٢ هل بدأت المدينة الاعتيادية في أمريكا؟ هل تجعلها سطحيتها البالغة مادة لا تصلح إلا للاستيراد؟ في أي الأحوال، تتواجد المدينة الاعتيادية الآن في آسيا وأوروبا وأستراليا وأفريقيا. يرتحل الناس بعيداً عن الريف والزراعة لكن ليس باتجاه المدينة، وإنما باتجاه مدينة اعتيادية بحجم بلد كاملة.
٢.٣ بعض القارات، آسيا على سبيل المثال، تطمح لأن تتحول كلها إلى مدينة اعتيادية، بينما تخجل قارات أخرى من ذلك المصير. ربما لوقوع معظم نماذج المدن الاعتيادية بالقرب من المناطق المدارية في آسيا، يجد سكانها من الأوروبيون أنفسهم على حافة التناقض: الأوروبي المألوف يسكن الآسيوي الغامض. ربما في يوم ما، سيعود ذلك المنتج المرفوض للحضارة الغربية إلى الواجهة مرة أخرى عبر المراجعات التي ستأتي إثر انتشاره المحتوم.
٢.٤ في بعض الأحيان يمكن لمدن قديمة فريدة مثل برشلونة أن تتحول إلى مدينة اعتيادية بتبسيط طابعها، إلا أن العكس مستحيل، على الأقل ليس الآن.
٣.١ المدينة الاعتيادية هي ما يتبقى من المدينة بعد رحيل كثير من أنشطة الحياة الحضرية إلى الفضاء السيبراني. هي مكان للأحاسيس الخافتة والمتباعدة، غامضة كفضاء كبير يضيئ ظلامه قنديل صغير بجانب الفراش. تباعد المدينة الاعتيادية بين لحظات الإثارة لتخلق تجارب جمالية غافية، كتنويعات أضواء الفلورسنت في بناية مكاتب قبل الغروب، أو اختلافات درجات الأبيض في لوحة إعلانات مضاءة ليلاً. هي كالطعام الياباني، مذاقه فكرة في رأس من يتناوله؛ فكرة يمكنه تجاهلها متى يشاء. يمتلك هذا الفتور مفعول مخدر، فيحيل ما هو عادي إلى هلاوس.
٣.٢ هنا تنقلب الخاصية الأساسية للمدينة، العمل والحركة الدؤوبة، إلى سكينة مريبة. تخاطب المدينة الاعتيادية شروراً عادة ما كانت تنسب إلى المدينة التقليدية القديمة، قبل أن يصبح حبنا لها غير مشروط. سكينة المدينة الاعتيادية هي محصلة إخلاء المجال العام، كما لو كانت المدينة في تدريب على مكافحة الحريق. يتسع مسطحها الحضري فقط للحركة الضرورية: حركة السيارات. الطرق السريعة هنا هي البديل عن البولفارات والساحات التاريخية، وتحتل الجزء الأكبر من فضاء المدينة. وبالرغم من أن تصميمها يبدو كما لو كان وظيفياً بالأساس ويتعلق بكفاءة الحركة المرورية، إلا أنها في واقع الحال تنطوي على شكل من المتعة الحسية، لا يمكن قياسها بالأبعاد التقليدية. فالأميال العشرة نفسها يمكنك أن تقطعها في خمس دقائق أو أربعين دقيقة، ويمكنك مشاركتها مع لا أحد أو مع كل سكان مدينتك على السواء. يمكنها أن تعطيك لذة السرعة المتحررة من القانون، ويمكنها مع الازحام والتوقف المتكرر أن تقبع على صدرك كنوبة رهاب مرعبة.
٣.٣ المدينة الاعتيادية هي مدينة فركتالية، تكرار لا نهائي لنفس الوحدة الإنشائية، يمكنك أن تعيد إنشائها من أبسط عناصها.
٣.٤ كل ما عدا ذلك، هو ملاعب للغولف.
٣.٥ للمدينة المدينة الاعتيادية أرقام هاتف سهلة، لا تتكون من عشر أعداد ولا تحتاج لتمارين ذهنية كي تستذكرها كما هو الحال في المدينة التقليدية، فأعدادها الوسطى عادةً ما تكون متطابقة.
٣.٦ عنصر جذبها الوحيد هو التحلل المجتمعي.
٤.١ في السابق كانت المطارات تجلياً للحياد المعماري المطلق، قبل أن تصبح بين أكثر العناصر المميزة للمدينة الاعتيادية. فالمطار هو أكثر ما يتطلع المرء إلى تجربته في مدينة ما؛ تلك الألفة التي نستشعرها تجاه رائحة العطور النفاذة وجداريات الصور الفوتوغرافية والنباتات الاصطناعية وكرنفال الأزياء المحلية التي تعطي لمحة مركزة أولى (أو أخيرة) عن الهوية المحلية. بعيدة، مريحة، غريبة، شرقية، ريفية، تقليدية، جديدة، وحتى غير مألوفة هذه هي العواطف التي يتم استدعاؤها. وهكذا، تصبح المطارات، المشحونة مفاهيمياً، أيقونات مطبوعة في اللاوعي الجماعي العالمي في تلاعب وحشي بعوامل الجذب التي لا تتعلق بالسفر نفسه – التسوق المعفي من الضرائب ومواد التشطيبات الفخمة والتجربة المتوقعة والموثوقة في غيرها من المطارات. من حيث الأيقونة/الأداء الأيقوني، فإن المطار هو مركز لكل من المحلي المفرط (يمكنك شراء أشياء في المطار لا تتوافر خارجه) والعالمي المفرط (يمكنك شراء أشياء في المطار لا تتوافر حتى في المدينة التي يقع فيها).
٤.٢ تتجه فلسفة تصميم المطار نحو الاستقلالية التامة؛ حتى عن المدينة الاعتيادية التي يقع فيها المطار. ومع تضخم حجمه وازدياد مرافقه غير المرتبطة بالسفر، يبدو المطار كما لو كان مدينة إلى جانب المدينة. المطارات هي مدن يسكنها الملايين من مسافري الترانزيت حول العالم، بالإضافة إلى أكبر قوة عاملة يومية. وهي تشبه في اكتمال مرافقها المدينة الاعتيادية نفسها، بل وقد يكون المطار أحياناً سبب وجودها (مركزها؟)، مع عامل جذب إضافي كونها أنظمة مغلقة لا مخرج منها – إلا إلى مطار آخر.
٤.٣ يمكن قراءة تاريخ المدينة الاعتيادية من هندسة مطارها. المخطط السداسي، وفي حالات فريدة المخطط الخماسي أو السباعي: الستينات. مخطط ومقطع متعامد الأضلاع: السبعينيات. مجمع من بنايات مختلفة: الثمانينيات. مسقط مقوس مع إمكانية مفتوحة للتوسع المستقبلي: التسعينات. هيكل متفرع كشجرة البلوط: ألمانيا.
٤.٤ تأتي المطارات في حجمين إما كبيرة جداً أو صغيرة جداً. ومع ذلك ليس لحجمها تأثير على أدائها، فالجانب الأكثر إثارة للاهتمام في البنى التحتية هو مرونتها. بحساب ما هو معدود – عدد المسافرين سنوياً – يصبح المطار مساحة لاحتمالات غير محدودة.
٥.١ المدينة الاعتيادية متعددة الأعراق: ٨% من ذوي الأصول الإفريقية و١٢% من البيض و٢٧% من ذوي الأصول الإسبانية و٣٧% من الآسيويين و١٠% من أعراق أخرى. وهي متعددة الثقافات أيضاً. ولهذا السبب ليس من المستغرب أن ترى المعابد في الطوابق العليا والتنانين على الجادات الرئيسية وتماثيل بوذا في المنطقة الإدارية.
٥.٢ تأسست المدينة الاعتيادية بأيدي أناس متنقلون باستمرار، وهو ما يفسر عدم ثباتها. كطبقات سائل تتماوج في تفاعل كيميائي مستمر، قبل أن يترسب بعضها في القاع، بالمثل، قد يؤسس تصادم أو التقاء هجرتين عابرتين لاستيطان مفاجئ في المدينة الاعتيادية.
٦.١ تكمن أصالة المدينة الاعتيادية في التخلي عن الوصفات التي أثبتت فشلها أو انقضى عمرها الافتراضي. فتضرب المثالية بمطارق الواقعية وترفض كل ما لا ينمو في أرضه. بهذا المعنى، تستوعب المدينة الاعتيادية كلاً من البدائي والمستقبلي – و لا شي غيرهما في الواقع. المدينة الاعتيادية هي ما-بعد-مدينة تُبنى على أنقاض المدينة السابقة.
٦.٢ لا يعود تماسك مخطط المدينة الاعتيادية إلى قوة مجالها العام – الذي انزوى تدريجياً في تسلسل تاريخي مدهش من الأغورا الإغريقية إلى الفورم الروماني ومن السوق إلى المول – ولكن في قوة المتبقي من مساحات خالية في المخطط. في النموذج الأصلي للحداثة، كان ذلك المتبقي مجرد مساحات خضراء نظيفة ومنضبطة ذات استخدام محدد. أما في المدينة الاعتيادية، ولأن قشرتها الحضارية رقيقة جداً، تتحول المساحات الخضراء إلى مكون رئيسي لهويتها، في خليط عجيب بين السياسة وتنسيق الحدائق. ولأنها مصطنعة إلى حد كبير، فالعودة إلى أحضان الطبيعة هي أقوى أساطيرها.
٦.٣ شوارع المدينة الاعتيادية ميتة. وهو اكتشاف يتقاطع مع المحاولة المستمرة لإعادة إحيائها. الأعمال الفنية تملأ الساحات، وكأن الموت الأول ليس كافياً.
٦.٤ تتحرك المدينة الاعتيادية من الأفقية باتجاه الرأسية، وكأن ناطحة السحاب هي النمط النهائي والأخير لتطور كل مبانيها. يمكنك أن تجدها في أي مكان، في وسط حقل أرز أو في وسط المدينة – لم يعد هناك فرق بعد الآن. على عكس نيويورك، الأبراج هنا متباعدة ولا تفاعل فيما بينها، كثافة متباعدة، توازن مثالي.
٦.٥ الإسكان ليس مشكلة، فهو إما فائض عن الحاجة أو متروك للصدفة. في الحالة الأولى هو قانوني، وفي الثانية غير قانوني. في الحالة الأولى، أبراج بعمق 15 متراً بحد أقصى، وفي الثانية (في تناغم تام مع الحالة الأولى) أكواخ المرتجلة. الحل الأول يلتهم السماء، والآخر يلتهم الأرض. ومن الغريب أن يسكن من لا يملكون المال في السلعة الأغلى – الأرض، بينما يسكن من يملكون المال ما هو مجاني – الهواء. وبنفس الوتيرة التي يتضاعف بها عدد سكان المدينة بشكل عام، تتناقص كثافتهم داخل الوحدة السكنية الواحدة بشكل دائم.
٦.٦ كل المدن الاعتيادية نشأت عن لوح فارغ بلا تاريخ. ما يسبق المدينة الاعتيادية هو اللا شيء.
٦.٧ تبدأ مباني المدينة الاعتيادية بقطاعات رأسية شديدة التنظيم تعود للسنوات الأولى من إنشاء المدينة، تحيط بها مبانٍ أكثر تحرراً من سنوات لاحقة
٦.٨ المدينة الاعتيادية هي احتفاء بالاختيار من متعدد: مربعات متقاطعة داخل مربعات متقاطعة. عادةً ما تكون المدينة الاعتيادية مخططة. ليس بالمعنى المعتاد للتنظيم البيروقراطي لتطورها، وإنما كمن ينثر بذوراً مختلفة معتمداً على خصوبة الأرض لينتج غابة عشوائية. اعتباطية، لكنها مذهلة في بعض الأحيان.
٦.٩ قد تكون المدينة الاعتيادية غير قابلة للفهم أو معيبة، لكن هذا لا يعني أنها ليس لديها ما تقوله. قد يكون الأمر ببساطة أننا أصبنا بعمى جديد. فقط بالفحص المتأني يمكننا استبيان الحقيقة من قلب الغموض الظاهري لخليط عجيب من ملاحظات تركها أستاذ عبقري على سبورة قبل 50 عاماً وتقارير الأمم المتحدة واكتشافات مفكر استعماري حول المناخ والنتائج غير المتوقعة لتجارب تلاميذ كليات العمارة.
٦.١٠ أفضل وصف لجماليات المدينة العامة هو ”الأسلوب الحر“. تخيل مساحة مفتوحة ومستوية. هناك ثلاثة عناصر: الطرقات والمباني والطبيعة؛ تتعايش في علاقات مرنة، دون سبب واضح، في تنوع تنظيمي مذهل. قد يهيمن أي من العناصر الثلاثة على البقية، قد يتعرج ”الطريق“ بشكل غير مفهوم، قد تختفي الأبنية أحياناً، وقد تجد نفسك في مكان لا يحيط به سوى الطبيعة، ثم وبشكل غير متوقع أيضاً، قد تجد نفسك بعدها بقليل محاطاً بغابة من الأبنية. في بعض المواقع المخيفة، يغيب الثلاثة في آن واحد. في هذه ”المواقع“ (حقيقة الأمر، هي لا-مواقع، ثقوب مفرغة من مخطط المدينة) يظهر الفن العام مثل وحش بحيرة لوخ نيس، وهو فن متساوٍ في الأجزاء التصويرية والتجريدية، وعادة ما يكون ذاتي التنظيف.