كلير نيوتن
Newton, Claire. “The Barcelona Pavilion—Real and Imagined.” 91st ACSA International Conference, 27–30 July 2003, Helsinki, pp. 611–618.
تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.
بُني جناح برشلونة عام 1929 ثم هُدم بعد تسعة أشهر فقط. لم يتبق من البناء الأصلي سوى بعض البقايا وعدد محدود من الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود وقليل من الرسومات المعمارية وبضع حكايات على ألسنة من شاهدوه للمرة الأولى. أضيف الجناح الذي صممه ميز فان دير روه على المخطط العام للمعرض العالمي في برشلونة في اللحظات الأخيرة، حتى أنه لم يتسن ظهوره على المواد الدعائية للمعرض التي ذهبت للمطبعة قبل الانتهاء من تصميم الجناح. فقط وردت جملة مقتضبة عن أن الجناح يشتمل على الكثير من المسطحات الزجاجية. استقبل جمهور المعرض جناح برشلونة بشكل جيد خلال حياته القصيرة، إلا أنه اكتسب شهرته كواحد من أهم مباني القرن العشرين في المقالات النقدية التي كُتبت بعد هدمه.
حتى إعادة إنشاء مبنى الجناح في ثمانينات القرن العشرين، ظلت صورته العالقة في ذاكراتنا هي فقط تلك الصورة الفوتوغرافية بالأبيض والأسود . يعلق ريم كولهاس على ذلك قائلاً أن إعادة بناء الجناح دمرت صورته الذهنية التي احتفظت بها مخيلة من عرفوه بالأبيض والأسود. في العام 1986 عاد جناح برشلونة بالألوان، إلا أن هالة الهيبة التي أحاطت بصورته القديمة كانت قد زالت. لم تزل صورة المبنى في عناد عالقةً في أذهان المؤرخين بالأبيض والأسود. وبين هدم المبنى وعودته ظهرت تأويلات عديدة استندت إلى الصور، كاقتراح جوزيب كيتغلاس، أن تصميم الجناح يعتمد على التأثير البصري لانعكاسات الضوء داخله.
قام المعماريون الذين أشرفوا على إعادة بناء الجناح، إغناسي دي سولامورالس Ignasi Sola-Morales وكرستيان سرسيسي Cristian Circici وفرناندو راموس Fernando Ramos. بتوثيق عملية البحث واتخاذ القرار المتعلقة بإعادة إنتاج التصميم الأصلي وبناء المبنى من جديد. تضمنت أوراق التوثيق استبدال السقف الخفيف سيء الصرف في النسخة الأصلية للجناح بسقف خرساني في النسخة الجديدة. متابعة التوثيق تكشف عن قرارت أكثر إثارة للاهتمام تهدف لسد ثغرات وتصحيح أخطاء وحذف زيادات طرأت أثناء تنفيذ التصميم الأصلي. هل أتاح هدم الجناح الأصلي إعادة كتابة تاريخه بشكل منقح لا تظهر فيه كل تلك المشاكل؟ أعتقد أن الإجابة على هذا السؤال لن تكون مهمةً سهلة، وسوف تتطلب منا دراسة السياق المكاني للجناح، وهو ما يسقط عادةً من حسبان الكتابات السابقة عن المبنى.
تتحدث أغلب الأدبيات السابقة عن معلومات ناقصة ومعلومات مغلوطة وتغييرات في ظروف التصميم والإنشاء، وهو ماتؤكده أيضاً السجلات بالغة الأهمية لعملية البحث والتوثيق التي أعدها الفريق المعماري المشرف على إعادة بناء الجناح. فيما يلي بعض الثغرات في عملية التوثيق، والتي ربما تدفعنا للتساؤل إذا ما كانت النسخة الجديدة تمثل تجسيداً أميناً، أو بالمقابل، تدميراً للمبنى الذي تقف تلك النسخة في محله اليوم. منذ عام 1929 اعتمدت أغلب الأدبيات المعمارية التي تناولت المبنى على واحد من ثلاثة مساقط أفقية أصلية لتوضيح العلاقة بين السقف والحوائط وبركة المياه الخلفية والتمثال البرونزي والمصطبة التي يستقر عليها المبنى. إلا أن تلك المساقط الثلاث ليست متماثلة. تبدو الفروق بينها بسيطة للوهلة الأولى إلا أنها تظل ملحوظة. أحاول على مدى الصفحات التالية تقديم شرح أكثر تفصيلاً للفروق بين هذه المساقط وبعضها، والتي أُعد أولها للنشر عام 1929، وتظهر فيه اختلافات واضحة عن المبنى الذي نُفذ لاحقاً في العام نفسه. إذ تم تقليص وتوحيد سمك الحوائط المنفذة في الواقع، كذلك أنشأت الباحة الأمامية بشكل أبسط.
في أواسط ستينات القرن العشرين، ظهر إلى الوجود مسقط أفقي جديد، صادر عن مكتب ميز فان دير روه في شيكاغو. تم تصحيح عدد من التضاربات الواضحة لمسقط 1929 في المسقط الجديد، كما أضيف الأثاث وعناصر تنسيق الموقع من نباتات وخلاف ذلك. إلا أن بعضاً من تضاربات المسقط الأصلي ظهرت كما هي في المسقط الجديد، بل وظهر إلى جانبها عدد من التضاربات الجديدة. أكثر هذه التضاربات وضوحاً هو خطأ في رسم السقف الذي يبدو على المسقط كما لو كان يغطي البركة الخلفية برمتها. من المدهش أن هذا المسقط الأفقي ظل قيد التداول والطبع حتى بعد أن قام فولف تيغتهوف بنشر مسقط جديد يصحح الخطأ السافر في العام 1981.
ينسب كيتغلاس هذا الخطأ إلى خوان بابلو بونتا إلا أن كتّاباً آخرين ينسبونه إلى فيرنر بلازر. يقول كتغلاس: ... لكن المسقط الأفقي المنشور في كتاب بونتا بعنوان "تشريح التأويل المعماري" (بالإنكليزية: An Anatomy of Architectural Interpretation) يُظهر السقف كما لو كان يغطي كامل المبنى، فيعبر من فوق التمثال البرونزي وبركة الماء الخلفية ليستقر على الحائط الخارجي. بهذا القدر من الاستخفاف بموضوع الدراسة، حجز بونتا لنفسه شرف المكان الأخير، بكل معاني الكلمة، بين من كتبوا عن المبنى. ما يزيد الطين بلة، أنه ومنذ العام 1975، لأسباب ربما تعود إلى إهمال أو غفلة النقاد أو ربما لأسباب تتعلق برغبة الناشرين في ضغط نفقات الطباعة، خرجت إلى الوجود سلسلة من الدراسات يظهر فيها المسقط الأفقي الخطأ، كان آخرها كتاب فيرنر بلازر "الأقل هو الأكثر" (بالإنكليزية: Less Is More) في عام 1986.
كان المسقط الأفقي المنشور وقت افتتاح جناح برشلونة بسيطاً بشكل لافت: حوائط متساوية السمك وباحة أمامية بخطوط بسيطة؛ أزيلت الأبواب ولا أثر للأثاث. في هذا المسقط تظهر الباحة الأمامية كمصطبة بارزة بمتر أو يزيد عن كامل محيط المبنى. بالرغم من أن الصور الفوتوغرافية التي وثقت المبنى الأصلي في عمره القصير جاءت من زوايا معينة دون غيرها، تظهر تلك الصور مصطبة الباحة الأمامية البارزة تلتف عن طرفي المبنى لتصبح على خلاف المسقط الأفقي بسواء الحائط دون بروز. كان ميز فان دير روه يفضل المصطبة البارزة دون شك. إصراره على نشر المسقط الأفقي الأصلي كما هو مع البروز، ثم إعادة رسمه مرة أخرى على النحو ذاته في دراسة فرنر بلازر عام 1964، كلها إشارات لتفضيله التصميم الأصلي عن ذلك الذي تم تنفيذه. هل كان ضغط كلفة الإنشاء كما أشار الباحثون سبباً في تغيير التصميم؟ يخبرنا تيغتهوف أنه يمكننا أن نفترض مع بعض الحذر أن المسقط المنشور هو مسقط مثالي لا يعبر بالضرورة عن الواقع. يدفعنا هذا للتساؤل عن أي الممارستين أصح: الرجوع للمسقط الأفقي المثالي الذي لا يعكس الواقع التاريخي للمبنى، أم الالتزام بالنسخة الأصلية المنفذة على علاتها؟ قبل البدء في إعادة الإنشاء، تواصل فيليب جونسون مع كرستيان سرسيسي وأخبره بضرورة اعتماد المسقط المثالي كما أراده ميز. فميز فان دير روه، على حد تعبير جونسون، كان معمارياً كلاسيكياً، وعليه فالمصطبة البارزة كانت إحالة إلى معمار المعابد الإغريقية.
إلا أنه وبعد دراسة دقيقة لظروف الموقع، تأكد لدي أن هذا التغيير لم يكن بدافع من ضغط نفقات الإنشاء بقدر ما كان حلاً لمشكلة هندسية تتعلق بميول طبوغرافيا الموقع. العلاقة البارزة بين المصطبة وطبوغرافيا الموقع من الواجهة الأمامية كانت تتعارض مع تغير المنسوب الطبيعي للأرض في الموقع، والذي يرتفع ليغطى طرفاً من الحائط الجانبي [من جهة البركة] ثم يلتف حول المبنى مرتفعاً فوق منسوب أرضية المبنى من الجهة الخلفية. حتى زوار المبنى الأصلي في العام 1929 لم يلحظوا هذا الفارق، فالواجهات الجانبية ظهرت للكثيرين كواجهات ثانوية غطتها النباتات. عندما نشر ميز مسقطه الأفقي في العام 1929 بدا كما لو كان مهتماً أكثر بوضوح فكرته لا بحقيقة المبنى وميول الموقع.
في المسقط الأفقي الذي أعده ميز للنشر في كتاب بلازر، تظهر شبكة منتظمة طول وعرض تربيعاتها متر واحد، تغطي كامل المسقط الأفقي والمصطبة الخارجية وتحدد مواضع الحوائط. بالتناقض مع ذلك، يظهر مسقط تنفيذ بلاط الأرضية المحفوظ في أرشيف ميز، أن التربيعة المنتظمة غير صحيحة، بشكل يجعل مسقط بلازر يبدو كما لو كان محاولة لتحسين التصميم المنفذ بالفعل. بدون شك تظهر التربيعة المنتطمة في أعمال أخرى لميز كما في معهد إلينوي للتكنولوجيا، لكن على العكس من ذلك رأي سولامورالس تلك الفروقات في حالة جناج برشلونة كما لو كانت "تنويعات في إيقاع الموسيقا الداخلية للتصميم." يظهر ذلك في المقاعد الحجرية المواجهة للبركة الأمامية الكبيرة، والتي تختلف تقطيعاتها وتقطيعات المساند التي تحملها عن تقطيعات بلاط الترافرتين في الأرضية. تبدو المقاعد الحجرية بالفعل كما لو كانت طافية بشكل مستقل عن الشبكة التي تشتمل سائر المسقط الأفقي.
يتحايل المنطق الإنشائي لجناح برشلونة على فطنة الزائر في ثلاثة أمور. تبدو الأعمدة كما لو كانت الوسيلة التي فصل بها ميز بين ما هو إنشائي وما هو معماري، متبعاً في ذلك مبدأ الفضاء الحر الذي اعتمده لوكوربيزييه قبل ذلك بخمسة عشر عاماً. إلا أن الأعمدة وحدها لم تكن لتكفي لحمل السقف، لذا عمد ميز لإخفاء أعمدة إضافية داخل الحوائط المعمارية غير الحاملة. بيد أن واقع الحال، هو أن الأعمدة المخفية تم وضعها عمداً بالقرب من الأعمدة الحرة بالقدر الذي يسمح للأولى بامتصاص الأحمال الواقعة على عاتق الأخيرة. فضلاً عن أن المسقط الصليبي للعمود المستخدم لم يكن الأكفأ في هذا الصدد. ولو كان الإنشاء هو شاغل ميز الأساسي لكان الأجدى استبدال ذلك العمود بعمود آخر أكثر صلابة.
تظهر صور جناح برشلونه أثناء بنائه هيكلاً إنشائياً معقداً يتألف من ألواح فولاذية ممصملةمجمعة بالبراغي والصواميل بغرض السرعة والمرونة. وجسور دعم اختفت بعد ذلك داخل الحوائط أو خلف السقف. أخذ الأمر ثلاثين عاماً كاملة من تقدم تقنيات الإنشاء لكي يتمكن ميز من إظهار تفاصيل الإنشاء لاحقاً في بيت فارنزورث. تجاهل كثير ممن كتبوا عن المبنى طبيعته الإنشائية غير السوية، برغم تعارضها الواضح مع إدعاءات ميز عن البساطة والصراحة الإنشائية، فالرجل كما يقول هلبرزهايمر هو "سيد التقنيات النظيفة." على النقيض رأي فرانك لويد رايت ضرورة أن يتخلص ميز من هذه الأعمدة السخيفة. لم يستخدم ميز أي أعمدة في تصميمه بيت الطوب الريفي في العام 1922، لماذا ظهرت هذه الأعمدة إذاً في تصميمه لجناح برشلونة إن لم تكن ضرورية للإنشاء؟
يقترح فرانز شولتسه أن وظيفة الأعمدة في جناح برشلونة لم تكن إنشائية بقدر ما كانت تعبيراً عن انطباع منتظم عن الإنشاء. في وصفه لواجهة بناية ليك شور درايف، التي صممها ميز بعد ذلك بعقدين من الزمان، يقول شولتسه "للواجهة مظهر إنشائي لافت، حتى وإن لم تكن إنشائية في حد ذاتها. تماماً كما هو الحال مع ميز، الذي يبدو دائماً متسقاً مع ذاته، حتى وإن لم يكن فعلياً كذلك." إلا أن الأعمدة أيضاً تقوم بوظائف أخرى أكثر من مجرد توصيل انطباع معينٍ من الإنشاء، فهي تحدد حيز الاستخدام الاحتفالي للجناح الأصلي، كما تقر شكلاً من أشكال التنظيم السيميتري كان الفضاء سيظل سائباً بدونه. كان ميز سيد التناقضات، وربما يفسر ذلك تناقض الروايات التي حاولت تفسير أعماله. يذكر تيغتهوف على لسان ميز أن المعماري الهولندي هندريك بيرلاخه لم يكن ليقبل بأي شيء زائف. "فلا ينبغي بناء ما لا وظيفة إنشائية له. بناية البورصة الشهيرة في أمستردام تبدو قروسطية دون أن تكون فعلاً كذلك. استخدم بيرلاخه الطوب بنفس الطريقة التي استخدمه بها بناؤو القرون الوسطى." على النقيض لم يكن جناح برشلونة على درجة مساوية من الوضوح الإنشائي.
لا يوجد مخطط أصلي للقطاع الرأسي لجناح برشلونة. تشير أحد التفسيرات إلى أن القطاع كان سيظهر كثيراً مما لا يظهر في المساقط الأفقية. واقع الحال، أنه إذا ما رُسم القطاع فعلاً سيزول انطباعنا عن المبنى كمجموعة من المسطحات الأفقية الطافية في الهواء، وستظهر تفاصيل الإنشاء الثقيل التي تتناقض مع الصورة الذهنية الشائعة عن المبنى الذي لا يمنعه من الطيران من فرط خفته سوى ثمانية أعمدة نحيفة. تظهر الصور التي أخذت أثناء إنشاء المبنى عام 1929 جسور دعم ثقيلة تختفي داخل جسم السقف، وتقل سماكتها بالقرب من الحواف الظاهرة لعدسات المصورين التي تظهر سقفاً رشيقاً من الخارج. أي قطاع للمبنى سوف يظهر الأرضية الحجرية عريضة يحملها صف من الأقبية الكتلونية تحمل بدورها هيكلاً ضخماً من الصلب.
أول مخطط لقطاع رأسي لجناح برشلونة يعود إلى شخص يُدعى سيرغيوس روغنبرغ Sergius Ruegenberg، كان قد عمل مع ميز على البناء الأصلي وكرس نفسه لاحقاً ولعدد من السنوات بعد إنشاء المبنى لإعادة حل العقبات التقنية التي واجهها إنشاء المبنى. إلا أن قطاع روغنبرغ الذي رُسم بعد هدم المبنى الأصلي، كان مثالياً ولا يعكس الواقع الذي تم تنفيذه. ما يلفت انتباهنا إلى إحدى المشاكل المتواترة في دراسة تاريخ توثيق المبنى وهي أن الرسومات والوثائق التفسيرية التي تنتج بأثرٍ رجعي عادةً ما يتم التعامل معها كوثائقٍ أصلية.
أراد ميز تحرير علاقة السقف بالحوائط، فحافظ على الحوائط أقصر بسنتيمتر واحد أسفل السقف. عمد ميز كذلك إلى إخفاء موضع أي اتصال محتمل بين السقف والحوائط، وموّه وصلات الفولاذ الممصمل في الشق الضيق بين السقف والحائط بحيث لا يمكن رؤيتها. منذ إنشائه وُصف المبنى باستخدامه مواداً حديثة وتقنيات إنشاء متقدمة. بينما تُظهر الصور الفوتوغرافية من زمن الإنشاء هيكلاً عشوائياً من الصلب ومصطبة حجرية تم إنشاؤها فوق عقود كتلونية تقليدية من قوالب الطوب الرفيع. ما كان جديداً لم يكن المواد أو التقنيات بقدر ما كان الطرق التي تم بها إخفاء وصلات الصلب التقليدية.
الرسومات المنظورية الأولى للمبنى تستخدم السيميترية وعكسها بطرق مختلفة. تختفي الأعمدة في بعض الاسكتشات، وتظهر الحوائط حاملة للسقف عوضاً عن الأعمدة، كما يظهر أحد المناظير ستة أعمدة بدلاً من ثمانية. تظهر الرسومات الأولى أيضاً ثلاثة مواضع مختلفة لتماثيل مختلفة، و يمكن للمرء أن يتخيل حجم الصعوبات المادية المتعلقة بكلفة تنفيذ ونقل تلك التماثيل التي تقلص عددها عند التنفيذ إلى واحد فقط. تظهر المناظير الأولى أيضاً مسطحات رأسية تنزلق بين السقف والأرضية، بينما تظهر المصطبة كمستوىً أفقي مصطنع يطفو فوق تضاريس الموقع المنحدر. تظهر هذه الاسكتشات الدرج الصاعد إلى المصطبة متعامداً على واجهة المبنى بينما تم تطويره لاحقاً في النسخة المنفذة ليصبح موازياً للواجهة صاعداً باتجاه الباحة الأمامية للمبنى. تظهر كثير من عناصر التصميم المنفذ في المخطط المنشور عام 1928، ما لم يكن قد حُسم بعد في هذا المخطط هو موقع البركة الأمامية الكبيرة وحجم المكتب الملحق بالجناح وشكل جوانب المصطبة.
الأثاث هو مكون أساسي في جناح برشلونة كما في عديد من المباني التي صممها ميز. صمم ميز كرسي برشلونة الشهير ليجلس عليه ملك وملكة أسبانيا أثناء مراسم الافتتاح الرسمي. زوج الكراسي، العنصر الأساسي في مراسم الافتتاح، لم يكن جزءاً من المسقط الأفقي الأصلي، إلا أن ظهوره في الصور لاحقاً أسهم دون شك في شهرة المبنى. تظهر الصور تغييرات عدة على مواضع الأثاث فيما عدا ثلاث قطع هي زوج من كرسي برشلونة والطاولة المجاورة له وطاولة ثالثة تقع إلى جانب الحائط المضيء ربما كانت تستخدم لتقديم كؤوس الشمبانيا. بعض قطع الأثاث اختفت في النسخة الجديدة للمبنى، غابت عن التصميم الأصلي طاولتين من الترافرتين قررت شركة كنول المتعهدة لتصنيع أثاث جناح برشلونة عدم إمكانية إعادة تصنيعهم دون تغيير في التصميم الأصلي لجعلهما أكثر ثباتاً، ما دفع الفريق المعماري المسؤول عن إعادة البناء إلى إزالة الطاولتين من التصميم.
احتوى المسقط الأفقي الذي نشره فرنر بلازر في العام 1964 على قطع الأثاث ما جعل تقدير حجم المبنى مهمة أيسر على من لم يعاينوه. رُسم المسقط بعلم وموافقة ميز فان دير روه، إلا أن الأثاث وللمفارقة كان موضوعاً دون تنسيق كاف. إذا ظهرت السجادة الأصلية في هذا المسقط لكان الكرسيين خارج حدودها. اختار بلازر (وربما ميز؟) أن يزيل السجادة من هذه النسخة من المسقط الأفقي برغم احتوائها على سائر قطع الأثاث الأخرى. يخبرنا كيتغلاس أن السجادة كان لها تأثير مدهش على زوار المبنى عند افتتاحه "فكلهم وقفوا خارجها، لم يجرؤ أحد على الخطو عليها." هل رأى بلازر أن السجادة كمربع كبير في الوسط سوف تثقل المركز البصري للمسقط الأفقي؟
كذك الحال بالنسبة للأبواب، فقد ظهرت أبواب جناح برشلونة على المسقط الأفقي للرسومات التنفيذية، لكنها لم تظهر على أي من المسقطين الشهيرين في 1929 و1965. بلا شك كان للمبنى الأصلي أبواب، صُممت بحيث يتم إزالتها أو إعادتها بحسب الحاجة. وبرغم صعوبة العثور عليهم في الصور الفوتوغرافية الأصلية، إلا أن العين لن تخطئ الإطار المعدني الخارجي للأبواب حتى في الصور التي التقطت بعد إزالتها. تناقلت الأجيال أسطورة إزالة الأبواب وإرجاعها كل يوم قبل وبعد ساعات عمل الجناح، ما احتاج طاقماً من العمال الأقوياء. أبواب النسخة الجديدة من المبنى ثابتة، ولا يمكن رؤية جناح برشلونة اليوم بدون الأبواب بخلاف النسخة الأصلية.
لم يصمم جناح برشلونة في نسخته الأصلية لكي يبقى كمنشأ دائم. غُطي السقف بشرائح من الصوف المقطرن للإبقاء على وزنه في الحدود المحتملة قدر الإمكان، وعُلق السقف الداخلي على الهيكل المعدني للسقف من أسفل، وتمت تغطيته بالشبك الممدد والجبس ثم تم طلاؤه باللون الأبيض. لو قُدر للمبنى البقاء حتى الشتاء التالي كان ليغرق في مياه الأمطار. كان الحل البدائي لعزل السقف في جانب منه نتيجة لمؤقتية المعرض الذي كان الجناح جزءاً منه وفي جانب آخر نتيجة تواضع الإمكانات التقنية في حينه. ينبغي أن نتذكر دائماً أن أطروحة السقف الأفقي المحمول على أعمدة رفيعة من الصلب كانت حينها لا تزال، وستظل لعقود تالية، قيد العمل والتطوير في مكتب ميز فان دير روه. "تم تطوير نظام معقد من الكوابيل والمفصلات لتخفيف عزم الانحناء وتقوية الهيكل المعدني للسقف. إلا أنه وبالرغم من تلك الجهود لم تكن الأعمدة الثمانية كافية لحمل السقف ما دفعنا لإضافة خمسة أعمدة أخرى اختفت بين شطري الحوائط الرخامية حول محيط المبنى."
اكتمل إنشاء المبنى الأصلي على عجل في غضون ثلاثة أشهر، بينما استغرق إنشاء النسخة الثانية من المبنى ما يناهز ثلاث سنوات بسبب استبدال السقف المعدني الوارد في النسخة الأصلية بسقف خرساني. ضمن الشروحات التعليلية الوافية التي أوردها الفريق المعماري ضمن عملية التوثيق، يأسف سرسيسي على أنه لم يكن من الممكن تنفيذ السقف دون إجهاد مسبق، ما جعل بلاطة السقف مسبقة الإجهاد أكثر سمكاً عن التصميم الأصلي للإبقاء على عزم انحناء صفري. تشمل التغييرات استخدام صلبٍ عالي الصقل عوضاً عن الكروم في الأعمدة، كذلك الحال مع الأرضيات والتي تم تبليطها بنوع آخر من الترافرتين أكثر صلادة. أيضاً لحقت التغييرات بميول الأرضية لسهولة تصريف مياه الأمطار، كما أن طرق تركيب الرخام على الحوائط قد تم استبدالها بطرق أخرى أحدث وأكثر عملية. نلاحظ أيضاً أن قطاعات الصلب التي تم استخدامها لأعمدة النسخة الجديدة كانت من عيار 10 مم بينما تفيد الحفريات أسفل المبنى الأصلي بأن ميز فان دير روه استخدم قطاعات من عيار 8 مم في النسخة الأصلية. أما عن رخام الأونكس الفريد الذي تم استخدامه في النسخة الأصلية من المبنى، فقد وثق سولاموراليس عملية البحث عن نوع شديد الشبه به لاستحالة العثور على مثيله.
ينوه تيغتهوف لأن ميز كان قد استخدم زجاجاً أخضراً عالي الشفافية للفصل بين البركة الخلفية والفضاء الاحتفالي للمبنى مقارنة بالزجاج المستخدم في النسخة الثانية. أسهم اختلاف تقنيات تصنيع الزجاج في عصرنا الحالي إلى حد كبير في تحجيم التنوع الممكن في شفافية الزجاج. سمح التصنيع اليدوي في السابق بإنتاج أنواع من الزجاج عالي الشفافية لا يمكن إنتاجها بالتقنيات الصناعية المعمول بها حالياً. وبينما كان اللجوء للتصنيع اليدوي مرة أخرى أمراً مطروحاً، كانت كلفته الباهظة ستثقل ميزانية المشروع، وهو ما أخرجه من حسبان الفريق المعماري.
أحد أكثر التعارضات بين النسخة الأصلية لجناح برشلونة في 1929 ونسخته الجديدة في 1986، هو السياق الذي تغير. عادةً ما اختفى السياق من الصور التي وثقت للجناح الأصلي، إما بإزالته عن طريق القص والتأطير بعناية، أو بإخفائه من الصورة باستخدام رذاذ الصباغة الذي كان يُستخدم قديماً لتعديل الصور. نشر خوان بابلو بونتا صورة للجناح تظهر فيها بناية مجاورة وقد تم إزالتها من الصورة. يشترك الفريق المعماري الذي عمل على إعادة البناء مع جوزيب كيتغلاس في اعتقاده بأن السياق كان مهماً لفهم تصميم الجناح. ربما كان أحد أهم إسهامات كيتغلاس هو استنتاجاته بشأن الخلفية المسرحية لجناح برشلونة. الموقع الأصلي الذي قدمته إدارة المعرض لميز كان مجاوراً لجناح فرنسا، إلا أن ميز اختار موقعاً آخر يقع خلف صفٍ من الأعمدة الأيونية كان قد أنشأه المعماري الكتلوني بودج إي كدافال في 1923 ليحدد به المحور المركزي للمعرض. يعتقد كتغلاس أن لتلك الأعمدة تأثير درامي بالغ على زوار المعرض للمرة الأولى، إذ كانت تلك الأعمدة بمثابة خلفية مسرحية للمبنى ومايجري فيه وحوله. عند سؤاله حول مدى تأثير الأعمدة على التصميم، لم يعط سرسيسي جواباً أكيداً، إلا أنه عبر عن راحته بأن بناية مجاورة ضخمة تم إزالتها بالقرب من موقع الجناح، بما سيسمح لزواره باستعادة التجربة الأصلية.