أبواب وممرات

روبن إيفانز



Evans, R. (1978). “Figures, Doors and Passages,” in Mostafavi, M. (1997). Translations from Drawing to Building and Other Essays, pp. 54–91. Architectural Association, London

تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.

©

عادةً ما تختفي أعقد المعاني تحت غلاف من البساطة. إذا ما نظرنا مثلاً لمخطط منزل معاصر ربما لن نرى أكثر من مجرد ترجمة مباشرة لمقتضيات العقلانية والضرورة. فتصميم المنزل لابد وأن يتعلق حصراً بتلبية الحاجات الإنسانية البسيطة. واقع الحال، أن أغلب دراسات تصميم المسكن، على اختلاف رؤاها، تنطلق دوماً من هذه الفرضية. فـ"النضال بحثاً عن السكن" بحسب أحد خبراء الإسكان، "و الحاجة إلى المأوى والخصوصية والراحة والاستقلالية التي يوفرها المنزل هي احتياجات بديهية." انطلاقاً من هذا الفهم يبدو تصميم المنزل المعاصر، في ارتقائه إلى مرتبة الحاجة الإنسانية العامة، كما لو كان موضوعاً عابراً لخصوصيات الثقافة والزمان والمكان. إلا أن هذه الفرضية تنطوي على نوع من الوهم، وهو وهم له تبعات أيضاً. فخلف هذا الوهم تختبئ السلطة التي تمارسها فضاءات السكن الاعتيادية على حياتنا، كما يخفي هذا الوهم حقيقة أن تنظيم هذه الفضاءات بهذا الشكل له أصل وغاية. واقع الحال أن البحث عن الخصوصية والراحة والاستقلالية من خلال العمارة هو أمر قريب العهد نسبياً، كما أن هذه الأفكار لم يكن لها دوماً ذات المعنى. هذا المقال هو محاولة مبدأية لفهم منشأ وتطور مجموعة من الأفكار المعمارية التي أصبحت الآن أكثر من اعتيادية.


المسقط الأفقي وساكنيه

لا يصف المسقط الأفقي شيئاً أكثر من طبيعة العلاقات الإنسانية الكائنة فيه. يمكننا مثلاً أن نقتفي أثر تلك العلاقات في ترتيب عناصر المسقط الأفقي من حوائط وأبواب ونوافذ وأدراج. إلا أن ما يغيب حتى عن أكثر المساقط الأفقية تفصيلاً هو كيف سيشغل جسم الإنسان تلك الفضاءات. ربما هذا ليس من قبيل الصدفة، فظهور الجسم البشري في الرسومات المعمارية عادةً لا يعدو عن كونه تمثيلاً شرفياً، مجرد علامات إرشادية تشي بتواجد البشر؛ خطوط ظلالية كتلك التي تظهر في رسوم باركر موريس الإيضاحية.


رسوم من تقرير لجنة باركر موريس لاشتراطات الإسكان الاجتماعي، 1963.

وإذا ما اتسعت دائرة البحث لتشمل أنواعاً أخرى من الوسائط البصرية التي يظهر فيها الجسم البشري بخلاف الرسومات المعمارية، ربما نجد مساحة من الربط بين ممارسات تصميم المنازل والحياة اليومية. قد يكون هذا الربط عسيراً على التخيل في البداية، إلا أنه يتضح لنا رويداً إذا ما أدركنا أنه بمعزل عن قدر التفصيل الذي قد يظهر به الرجال أو النساء أو الأطفال أو حتى الحيوانات المنزلية في الرسومات أو الصور، وبمعزل عن قدر التجريد الذي قد يكون عليه المسقط الأفقي، فإن علاقات البشر التي تظهر في الرسومات المعمارية، عادة ما تكون تجليات لعلاقاتهم في وسائط أخرى. على سبيل المثال إذا نظرنا لطريقة رسم الأشخاص في اللوحات الفنية وقمنا بدراستها جنباً إلى جنب مع كيفية تصميم المسقط الأفقي كدلائل على طريقة عيش الناس في حقبة زمنية معينة، سيمكننا حينئذ أن نفهم العلاقة بين طبيعة الحياة اليومية وبين التنظيم المعماري لتلك الحياة متمثلاً في المسقط الأفقي.



في لوحات القرن السادس عشر هبط المسيح الطفل وأمه عن عرشهما لينخرطا في مجموعات تنبض بالحياة. تصور تلك اللوحات مشاهد من محض خيال الفنان ولا أساس لها في الكتاب المقدس.



مادونا في الغرفة

تبدو أعمال رفاييل المعمارية والفنية كمدخل ملائم لبحث الموضوع، ربما لأنها تؤشر بشكل واضح على أن أفكارنا عن الخصوصية والعزلة هي في واقع الحال أكثر حداثة مما نتصور. بالتأكيد لسنا بصدد دراسة شاملة لمجمل أعمال رفاييل، وإنما سنحاول من خلال بعض أعماله الوقوف على توجه عام في العلاقة بين الذات والآخر ميز الحقبة التاريخية التي عاشها رفاييل.


انصب تركيز عديد من فناني عصر النهضة على الجسد البشري، على التفاصيل الفيزيولجية: كإظهار السمات التشريحية للأطراف وتوتر الأعصاب وتجاعيد البشرة وتقسيم العضلات وإضفاء الوسامة على وجوه المرسومين. إلا أنه في أوج عصر النهضة High Renaissance سيطر على الفنانين هاجس آخر، هو التلاعب بالأجساد البشرية في فضاء العمل الفني. وبحلول القرن السادس عشر أصبحت أجسام البشر نفسها مادة لإنتاج تشكيلات أكثر تعقيداً، فنجدها إما تهن برشاقة وادعة أو تسمو بجبروت ساحق، ثم تلتف تلك الأجسام حول بعضها في أوضاع شديدة الإنفعال، عادةً ما تحمل حساً بعنف التلاطم البدني أو حتى بالشهوانية والخلاعة. نجد ذلك بوضوح في أعمال كل من ليوناردو وميكلانجلو ورفاييل وتلاميذهم. ولم يقتصر ذلك على شكل العمل بل شمل موضوعه أيضاً. واقع الحال أنه منذ القرن الخامس عشر كانت تلك الأوضاع التقليدية للعذراء على عرشها والمسيح الطفل هادئاً بين يديها، مرفوعان في سمو وينظران نحو اللا شيء، قد خرجت بالفعل من طور الكهنوت وأصبحت موضوعاً للتعبير الفني الحر، وإن كانت لا تزال حينها تحمل طابعاً مقدساً.


في لوحات القرن السادس عشر هبط المسيح الطفل وأمه عن عرشهما لينخرطا في مجموعات تنبض بالحياة، كما في لوحة رفاييل سيدة النافذة Madonna dell'Impannata، وفي عدد آخر من بورتريهات رفاييل التي تصور العائلة المقدسة. تصور تلك اللوحات مشاهد من محض خيال الفنان ولا أساس لها في الكتاب المقدس. خيال تحركه رغبة الفنان في بناء علاقات حسية بين شخوص اللوحة، حتى وإن كان موضوع اللوحة روحاني في أصله. في سيدة النافذة لا تتألف العلاقات التكوينية بين الأشخاص من خلال الفضاء، بل تبدو كما لو كانت تتشكل رغماً عن الفضاء. ينظر الأشخاص في فضاء اللوحة إلى بعضهم، يحدقون عن قرب إلى العيون والأجسام، يمسكون ويقبضون ويضغطون بأصابعهم على أجسام بعضهم البعض، كما لو كان إدراكهم لما حولهم من الوجود متعلق باللمس أكثر من الرؤية. فقط يكسر القديس يوحنا الطفل هذه العلاقة التبادلية بين شخوص اللوحة بالنظر إلى خارجها باتجاه الرائي. هؤلاء ليسوا شخوصاً داخل فضاء اللوحة، بل يشكلون بذواتهم فضاء اللوحة. يذوب التفرد الفيزيولوجي لكل جسم على حدا لصالح شبكة من العلاقات التكوينية تتجلي في المسكات والوقفات، وهو أمر لم يكن جديداً تماماً في حينه، إلا أنه مثل ذروة الإنتاج الفني في عصره. وبالتالي، إن كنا بصدد البحث عن علاقة محتملة بين أشكال الشخوص في الفن والمساقط الأفقية في العمارة، فمن الأرجح أن نبحث عنها هنا في لوحة تتحول فيها العلاقات بين شخوص العمل الفني إلى مبادئ تشكيلية تتجاوز موضوع العمل.


في العام 1518، أو 1519 لا ندري على وجه الدقة، شرع الكاردينال جوليانو دي مديتشي في إقامة مشروع طموح في بقعة من منحدرات مونت ماريو في روما. لم يكتمل من بناء المشروع الضخم إلا جزء صغير، أطلق عليه لاحقاً اسم فيلا ماداما Villa Madama. أشرف على تنفيذ المشروع أنطونيو دا سانغالو ، إلا أن التصميم المبدئي كان بلا شك من بنات أفكار رفاييل. ذات الفنان الذي سعى في لوحاته لتخليص العذراء من عبء قداستها، يصمم هنا أيضاً منزلاً لحياة يومية باذخة. في العام 1809 نشر الفرنسيان برسييه وفونتان رسماً ترميمياً تخيلياً يبين شكل الفيلا لدى اكتمالها مع التأكيد على سيمترية التكوين، ما جعل من المجمع السكني كلاً متكاملاً على جانب الجبل. عدل برسييه وفونتان مسطحات الغرف لتتناسب مع التصور السائد في القرن التاسع عشر عن التناسق الكلاسيكي في عصر النهضة، وكأن لسان حالهم يقول: كيف يمكن لرفاييل أن يصممها بطريقة أخرى؟ إلا أن الأثر المادي المتبقي من الفيلا، والنسخ الأصلية للمساقط الأفقية القديمة تبين حقيقة مختلفة كلياً.


كانت السيمترية الكلية ستنتج وضعاً تتناظر فيه فضاءات المبنى على الجانبين، وهو ما لا نراه في المساقط الأصلية. فبالرغم من أن أغلب غرف المبنى سيمترية التكوين على مستوى الغرفة ذاتها، إلا أن تصميم كل غرفة على حدة لا يتكرر في باقي المبنى. انتظام التكوين موجود فقط في الأجزاء الضخمة التي لا يمكن للعين أن تتخطاها، أما التكوين الكلي فهو خليط متنوع. نلحظ كذلك أنه من الصعب أن نحكم من المسقط الأفقي على أي من الفضاءات مغلق وأيها مفتوح.

لوحة العذراء والقديسين على مذبح كنيسة بورتو Santa Maria in Porto Altarpiece (متحف بريرا بمدينة ميلانو) من أعمال إركولي روبيرتي وورشته، 1480. نلحظ التمثيل الطبيعي للشخوص أنفسهم، إلا أن ترتيبهم وعلاقتهم ببعضهم البعض تتبع نسقاً هرمياً صارماً.

سيدة النافذة Madonna dell'Impannata، رفاييل وورشته، زيت على قماش 125 x 185 سم، فلورنسا، 1513-1514.
المسقط الأفقي لفيلا مداما ، كما تخيله بيرسييه و فونتان في العام 1809 ، بالأسفل: المسقط الأفقي لفيلا مداما كما وضعه رفاييل في العام 1516 ، لاحظ على اليسار الجزء الذي لم يكتمل بناؤه باللون الرمادي الفاتح.

الغرف والأروقة والأفنية والحدائق متصلة ببعضها البعض كمستطيلات متجاورة مختلفة الأحجام. هذا التكوين غير المنتظم لم يكن ليصدر عن رفاييل الذي حلم به أكاديميو القرن الثامن عشر ورومانسيو القرن التاسع عشر .الرسم الترميمي الذي أنتجه برسييه وفونتان بتوزيعه السيميتري المتخيل يناقض تاريخياً اللحظة التي بدأت فيها فضاءات رفاييل تتمدد خارج الحدود الصارمة للتصميم الكلاسيكي للعمارة، وهي نفس اللحظة التي بدأت أجساد أبطال لوحاته تلعب الدور الأكبر في رسم فضاء اللوحة.


أبواب

بالنظر إلى المسقط الأفقي في فيلا ماداما كرسم تخطيطي للعلاقات الاجتماعية، يتضح أمران – رغم كونهما من المحظورات المعمارية في أيامنا هذه – يؤشران بوضوح على السياق الاجتماعي التي صُممت فيه الفيلا. الأمر الأول، هو أن لكل غرفة أكثر من باب. بعض الغرف تدخل من بابين، والأغلب يدخل من ثلاث أبواب أو أربع، وهي خاصية اتفق الخبراء على اعتبارها خطأ فنياً ينبغي تجنبه في الفضاءات السكنية منذ القرن التاسع عشر. يستفيض المعماري الإنكليزي روبرت كير في شرح مساوئ تعدد الأبواب في كتابه "بيت السيد المحترم" (1864). يتحدث كير عن الصعوبة البالغة في السيطرة على تلك الفضاءات الخلالية التي تنفتح في أكثر من اتجاه، لما تشكله من عدوان على حميمية البيت وتعطيل لقدرته على توفير العزلة والراحة، مفضلاً عليها الغرف النهائية المغلقة، والتي تنتفح باتجاه باب واحد فقط ينظم علاقتها بشكل مخطط مع باقي أجزاء المنزل.


بالمقابل، ولدهشة القراء، إذا رجعنا للكتابات القادمة من إيطاليا خلال عصر النهضة، والمتأثرة بالأمثلة الرومانية التاريخية، سنلحظ ميلاً واضحاً لتعدد الأبواب وارتجالية الحركة بين الفضاءات. نجد ألبرتي مثلاً بعد أن يلفت انتباهنا لكثرة عدد الأبواب في البنايات الرومانية، ينصحنا "بضرورة تزويد كل فضاء بعدد كاف من الأبواب تنفتح على عدد أكبر من الفضاءات المجاورة" وهو ما كان مستحباً في البنايات الرومانية العامة، إلا أنه كان ممارسة شائعة في البيوت أيضاً. كان الأمر يعني أن تجاور أي غرفتين يعني اتصالهما بالضرورة. البيت في هذه الحالة هو شبكة متقاطعة من الفضاءات المتجاورة والمتصلة في آن. يتضح ذلك في مساقط فيلا ماداما، إلا أن رفاييل لم يكن متفرداً بذلك بطبيعة الحال بحكم كونها ممارسة معمارية شائعة في حينه.


بين كتابات كير في القرن التاسع عشر وكتابات الإيطاليين في عصر النهضة حدث انقلاب تام في مفهوم المعماريين عن الخصوصية والراحة. في إيطاليا القرن السادس عشر الغرف المريحة هي غرفة ذات أبواب عدة تفتح على عدد آخر من الغرف، بينما في إنكلترا القرت التاسع عشر الغرفة المريحة هي تلك المغلقة التي يتصل داخلها بخارجها بباب واحد فقط. لا تقتصر أهمية هذا الانقلاب في التغيير الجذري الذي استتبعه ذلك على طريقة تنظيم الفضاءات داخل حيز المنزل، بل أيضاً على شكل ومضمون الحياة المنزلية ككل.


بالتوازي مع تقليل عدد الأبواب، استحدثت ممارسة معمارية أخرى تهدف للحد من الاتصال غير المخطط مسبقاً بين المقيمين في نفس المنزل. بالعودة إلى فيلا ماداما، كما هو الحال تقريباً في كل الأمثلة المعمارية قبل العام 1650، سنجد أنه ليس من ثمة تمييز معماري واضح بين الفضاءات الخلالية التي تصل بين الغرف وبين الغرف ذاتها، أي أن كل غرفة هي فضاء للسكن، وهي أيضاً في نفس الوقت ممر للعبور بين الغرفتين السابقة واللاحقة. فالبوابة الرئيسية في أقصى الطرف الجنوبي للفيلا، يتبعها درجات نصف دائرية تدلف بنا عبر مدخل تعلوه أبراج للحراسة إلى الفناء الأمامي، ومنه عبر مجموعة اخرى من الدرجات إلى قاعة ذات أعمدة، ومنها عبر ممر مقبي إلى القاعة الرئيسية. يبدو الأمر حتى الآن كسلسلة من الفضاءات التحضيرية التي تأخذنا تدريجياً نحو الفضاءات الأكثر حميمية في المنزل. لكن بمجرد وصولنا للقاعة الرئيسية، يتفرع المسار بين فضاءت البيت المختلفة عبر عشرة مداخل متمايزة وإن كانت كلها على نفس الدرجة من الأهمية. يقود خمسة منها إلى داخل البيت أو ملحقاته، وثلاثة إلى الشرفة والحديقة الداخلية التي تليها، بخلاف اثنين آخرين يمران عبر مطل معقود. بمجرد دخولك للمنزل يصبح لزاماً عليك المرور على هذه الغرف واحدة تلو الأخرى، فكل غرفة تؤدي إلى التي تليها.



كان تقاطع المسارات أمراً لا يمكن تجنبه على مدار اليوم. كل نشاط في البيت معرض طوال الوقت للتداخل مع أنشطة أخرى إلا باتخاذ تدابير محددة لتجنب ذلك. وكان تعدد الأبواب والمداخل قاعدة نمطية في القصور الإيطالية كما في الفيلات أو حتى بيوت المزارعين، كانت طريقة لوصل الفضاءات ببعضها.



وحتى حين تستخدم الأدراج والممرات سيكون لزاماً عليك أن تعبر من غرفة لأخرى، إذ أن تلك الممرات لا تشكل فضاءات مستقلة عن الغرف وإنما هي وصلات قصيرة بين الغرفة والغرفة. بالرغم من الاحتواء المعماري الذي يوفره تتابع الغرف، فإن البيت إجمالاً يبدو كما لو كان مسقطاً أفقياً مفتوحاً نسبياً أمام ساكنيه، والذين كانوا على اختلافهم بين رجال ونساء وأطفال وخدم وزوار مضطرين في كل الأحوال للعبور بين الغرف. تقاطع المسارات كان أمراً لا يمكن تجنبه على مدار اليوم. كل نشاط في البيت معرض طوال الوقت للتداخل مع أنشطة أخرى إلا باتخاذ تدابير محددة لتجنب ذلك. كان تعدد الأبواب والمداخل قاعدة نمطية في القصور الإيطالية كما في الفيلات أو حتى بيوت المزارعين، كانت طريقة لوصل الفضاءات ببعضها. وهي قاعدة مستقلة عن الطراز المعماري الذي يمكن أن يكون على السواء قوطياً أو محلياً.


في كتابات الإيطاليين الذين وثقوا تاريخ تلك الحقبة، تتكرر تفاصيل الأجواء الاجتماعية الصاخبة التي تمتلئ فيها البيوت بأعداد كبيرة من أهل البيت وزوارهم يتناقشون أو يعملون أو يأكلون. ويشي تعدد هذه الروايات وتكرارها بثمة نمط اجتماعي عام. نجد مثلاً كاستيليوني ، وهو صديق مقرب من رفاييل، يسجل محادثات متكررة يُرجح أنها دارت في آذار-مارس 1507 في قصر دوق أوربينو، الذي هو ذاته مثال على هذا النوع من التخطيط الشبكي المنفتح. يسرد كاستيليوني على ألسنة عدد من ضيوف وأصدقاء الدوق وقائع المحاورات التي دارت بينهم، والتي يبدو أنها كانت أمراً متكرراً عقب العشاء. لا شك أن رواية كاستيليوني هي نسخة منقحة ومفصلة وعاطفية لما قيل فعلاً، لكن وصف هذا النمط من المناسبات الاجتماعية في حضور الأصدقاء والزوار كمصدر أساسي للتسلية وتمضية الوقت هو أمر متكرر في روايات أخري من الحقبة ذاتها.


بالمقابل، يكتب بنفنوتو تشيلليني (1500-1517) في سيرته الذاتية عن أجواء مشحونة وصدامية ولا تشبه بحال أجواء المرح والنقاش المازح في كتابات الآخرين، حتى أنك لتظن أنه يحكي عن طائفة أخرى من المخلوقات. إلا أن سيرة تشيلليني، مثل سابقه كاستيليوني، تطلبت وفرة لا تنقطع من المناسبات الاجتماعية كمادة للكتابة. في الحالتين كان الانخراط في أجواء اجتماعية هو القاعدة بينما الاختلاء بالنفس هو الاستثناء. هناك تشابه آخر بين كتابات كاستليوني وتشيلليني. كلا الكاتبين لم يذكرا أي وصف للأماكن التي جرت فيها الأحداث. في حالة كاستليوني، يظهر قصر دوق أوربينو، وهو واحد من أعظم مباني النهضة الإيطالية، في عدد محدود من الجمل العامة. من أول النص لآخره، ما من كلمة تصف مظهر القصر الذي كان مسرحاً للأحداث أو محتوياته أو طريقة تنظيمه من الداخل، لا من قريب أو من بعيد. وهو أمر غريب إذا ما علمنا أن كاستليوني يشبه نفسه في مقدمة كتابه برسام يرسم لوحة عن طريق الكتابة.


تعج مذكرات تشيلليني كذلك بحكايات عن العداوة والطموح والاستغلال, يورد تشيلليني أسماء الأماكن التي شهدت حكاياته لكن دون الخوض في وصفها. بين حكاياته عن الكوارث والانتصارات، بالكاد نجد ذكراً لتضاريس الأماكن أو عمارة مدنها أو أثاث بيوتها. ربما كانت المرة الأوضح التي أشار فيها تشيلليني إلى عمارة المكان بشكل مباشر كانت في معرض وصفه لظروف حبسه الانفرادي في قلعة سانت أنجيلو: "كانت غرفتي بعيدة عن مكان نوم العمال، وكذلك تبعد قليلاً عن المتجر ... جعلت مبيت الخادمة في غرفة صغيرة ملاصقة لغرفتي. اعتدت أن أنام نوماً عميقاً لساعات طوال ... حتى اقتحم أحد اللصوص المتجر."


الإشارة الثانية تأتي عندما يصف محاولاته التصالح مع أحد سادة ميديتشي بينما هو طريح الفراش: "حُملت إلى قصر آل ميديتشي، أوصلوني إلى حيث الشرفة الصغيرة، وتركوني هناك لأستريح قليلاً في انتظار الدوق. أثناء الانتظار قابلت بعضاً من أصدقائي في البلاط وتحدثنا قليلاً." وفي المرة الثالثة يصف مواجهته مع قاتل أجير : "تركت البيت على عجل، كنت مسلحاً كالعادة، سرت بموازاة جادة جيليا، لم أتوقع رؤية أحد في هذه الساعة من اليوم. وصلت إلى نهاية الطريق، والتفتت عند العطفة المؤدية إلى قصر فارنيسي، عندها قام ذلك الكورسيكي من مجلسه على الزاوية وترجل في مواجهتي إلى وسط الطريق." نادراً ما تظهر العمارة في هذه النصوص، اللهم إلا بشكل ثانوي على جانب المغامرة أو الأحجية. في مذكرات تشيلليني كما في كتابات كاستيليوني تحتل ديناميات التفاعل الإنساني المشهد بأكمله، حتى ليصبح من العسير تمييز الفضاء المادي الذي يحدث ضمنه هذا التفاعل.

تمثال بنفنيتو تشيلليني، بمجمع أوفيزي، فلورنسا. من أعمال أوليسي كامبي، 1845.
مدرسة أثينا ، رفاييل 1509 – 1511 ، جدارية جصّية ، القصر البابوي ، الفاتيكان.

من العسير أن نجزم كيف ومتى أصبح الإيطاليون منهمكين في العلاقات الإنسانية إلى هذا الحد، حتى ليبدو كل ذلك المعمار المتقن كما لو كان قابعاً خارج مدار الحياة الاجتماعية. التشكيل البديع والتفاصيل المدهشة في الرواق الرئيسي لفيلا ماداما، والمستوحى من قصر نيرون الذهبي وأعمال أخرى سابقة لجوليو رومانو وجيوفاني دا أوديني ورفاييل نفسه، لا يمكن تفسيرها من باب الميل إلى الإبهار أو الأيقنة فقط. يلعب الميل للإبهار دوراً بلا شك، إلا أن هذه الحساسية المرهفة تجاه الشكل ليست مصادفة. للمفارقة، قد تكون الطبيعة الاعتباطية للعناصر المعمارية في اللوحة هي السبب تحديداً وراء ثرائها البصري. فالبصر هو الحاسة التي تشكل حدود التجربة الحسية، بينما ترتبط الحواس الأخرى بالحيز المتاخم مباشرة للجسد. وهذا هو تحديداً ما توفره الغرفة الكبيرة في رسومات وعمارة رفاييل: حدود التجربة الحسية.


الأمثلة السابقة، وإن كانت بالكاد تفي كدليل، تؤشر على أن أجواء التقارب والألفة والميل للتواجد في جماعة والترحيب بالمصادفات والتي سادت الأوساط الاجتماعية في إيطاليا القرن السادس عشر تتطابق بشكل مدهش مع المساقط الأفقية لعمارة تلك الحقبة. من السهل على مؤرخي العمارة السكنية أن ينظروا إلى هذه المساقط ليروا فيها نمطاً بدائياً من الحياة اقتضت الحاجة تطويره ليشمل تنويعات أخرى. كان من الواضح إن المعماريين الإيطاليين لم يبذلوا الكثير من الجهد لفصل وظائف المبنى عن بعضها أو تمييز الخادم عن المخدوم. إلا أن هذا لا يعود لغياب المبدأ التصميمي، فالغرف في فيلا ماداما تمتعت بذات القدر من الاتصال مع غيرها، على اختلاف الأحجام والأشكال والظروف، ولم يكن هذا من قبيل الصدفة. وربما لم يأت على ذكر هذا الأمر أي من المنظرين، لا لشيء إلا لأن أحدهم لم يحاول تمحيص ذلك.

ممرات

إن تاريخ الممر كأداة معمارية لفصل الحركة عن فضاءات الغرف هو تاريخ لم يكتب بعد. استناداً إلى البحث الذي أجريناه، سجل الممر أول ظهور له في منزل بوفورت Beaufort House في تشيلسي بإنكلترا، من تصميم جون ثورب عام 1597. وبرغم كونه حينها عنصراً معمارياً قيد التجربة، إلا أن قوته لم تكن لتخطئها العين الفطنة. ظهر هذا العنصر المعماري الجديد على المساقط الأفقية باسم "مدخل طويل واصل إلى كافة أرجاء المنزل." وبالتزامن مع وصول التأثيرات الإيطالية الأكثر انفتاحاً إلى الجزيرة الإنكليزية، ولسخرية القدر، ظهر الممر المركزي الرابط بين كل أجزاء المنشأ المعماري، وأصبحت الأدراج ترتبط بالممر عوضاً عن ارتباطها مباشرة بالغرف وفضاءات المعيشة كم كان الحال على زمن رفاييل.


بعد العام 1630، أضحت هذه الترتيبات الجديدة للبيت أكثر انتشاراً، إذ لم تخل بيوت الأغنياء على تنوعها من قاعة مدخل ودرج ضخم مفتوح وممرات وأدراج خلفية تشكل معاً شبكة من عناصر الحركة الرأسية والأفقية تخترق البيت وتتلامس مع كل الفضاءات الرئيسية والغرف. الآن أصبح لكل غرفة باب واحد يتصل بالممر ومن ثم بباقي أجزاء المنزل. يمكننا أن نرى واحداً من أوضح الأمثلة على ذلك في منزل صممه روجر برات بين عامي 1650 و1667 لابن عمه في بلدة كولزهيل Coleshill بالريف الإنكليزي. هنا يمكننا أن نلاحظ بوضوح اختراق الممرات لكامل عرض المسقط الأفقي لكل طابق. ينتهي الممر بدرج رأسي يربط الممرات بين الطوابق المختلفة، وفي منتصف الممر هناك درج شرفي وقاعة مدخل بارتفاع طابقين، والتي بالرغم من بهائها، لم تكن أكثر من مجرد طرقة مدخل، إذ كان سكان المنزل لا يشغلونها إلا للحظات قليلة حين دخولهم أو خروجهم.




من وجهة نظر معماريي ذلك الزمن، يمكننا تصور أن التقاء الأفراد عبر الطيف الطبقي داخل البيت دون نية مسبقة لذلك، كان أمراً غير مستحب في ذلك الحين. دور العمارة هنا هو تقليل فرص هذه الصدفة إلى الصفر.




يوضح برات في كتابه أن تلك الطرقة الممتدة بطول المنزل تهدف بالأساس إلى تأمين اتصال فضاءات المعيشة دون أن تعوقها فضاءات الخدمة، بحيث تقل فرص التقاء الخدم مع سادة وسيدات المنزل في فضاء واحد بشكل عارض. بالنسبة لبرات كانت الممرات فضاءاً موازياً لاخفاء الخدم عن فضاءات البيت الأخرى أثناء حركتهم منها وإليها. هذه الحساسية الطبقية ربما لم تكن بالشيء الجديد، إلا أن توظيف العمارة بشكلٍ واعٍ لتوطيد هذه الحساسية كان ولا شك أمراً محدثاً. تظهر العمارة هنا كتبشير بسنوات قادمة من الحياة المنزلية الرغيدة، كما تظهر أيضاً كإنذار يسبق صراع طبقي عاصف. بينما كانت فضاءات الأجنحة الرئيسة في المنزل تنفتح على بعضها عبر مداخل كبيرة متتابعة، كان الممر على العكس، مدخلاً قصرياً لكل غرفة على حدة يمتد بموازاة الأجنحة الرئيسية. للتوضيح نستعين بمثال آخر من منزل آمزبري Amesbury House من تصميم جون ويب في ولتشر حيث يمتد الممر المركزي بكامل طول المنزل بينما تتصل الغرف كذلك عبر عدد من الأبواب البينية دون الحاجة لممر. توضح هذه الأمثلة وغيرها أن الممر كان في بادئ الأمر حلاً معمارياً لفلترة الحركة طبقياً بين أصحاب المنزل الذين يمكنهم الحركة بحرية بين الغرف وبعضها عبر الأبواب البينية، وبين الخدم الذين تتقيد حركتهم بالممر المركزي الضيق الذي يجري بموازاة الغرف دون المرور عبرها. هنا يصبح الخدم مخفيين عن الأنظار لكنهم طوال الوقت على مقربة من نداء سيد أو سيدة المنزل، يقترن حضورهم الفعلي في فضاءات المنزل بالأمر لا بالصدفة.


الحل المعماري لمشكلة الخدم – رؤية الخدم كضريبة واجبة للحصول على خدمتهم! – كان أثره أكثر عمقاً مما يوحي به الأمر. من وجهة نظر معماريي ذلك الزمن، ومن شروح برات، يمكننا تصور أن التقاء الأفراد عبر الطيف الطبقي داخل البيت دون نية مسبقة لذلك، كان أمراً غير مستحب في ذلك الحين. دور العمارة هنا هو تقليل فرص هذه الصدفة إلى الصفر. من الثابت إن برات لجأ إلى توظيف أكبر عدد ممكن من الأبواب المتلاحقة عند اتصال كل فضاء بفضاء مجاور، إلا أنه فعل ذلك بالأساس لإنتاج تأثير بصري يماثل تأثير المنظور المتراجع إذا ما نظرنا إلى تلك الأبواب من أحد أطراف المنزل. "أما بالنسبة لتلك الأبواب الصغيرة بين الغرف، فقد عمدنا إلى صفها واحداً تلو الآخر على ذات الاستقامة وصولاً إلى النوافذ عند أطراف المنزل، فإذا ما فتحوا جميعاً من أقصى البيت إلى أقصاه، كان ذلك مشهداً بهيجاً."

مسقط أفقي للطابق العلوي بمنزل بوفورت، من تصميم جون ثورب، 1597، حيث تنتظم غرف المنزل حول ممر طويل يربط بين عناصر الحركة الرأسية والغرف.

الدرج المركزي ببيت كولزهيل – من تصميم سير روجر برات ، 1650 – 1667.

المساقط الأفقية للطابق الأرضي (بالأسفل) والطابق الأول (بالأعلى) ببيت كولزهيل – من تصميم سير روجر برات ، 1650 – 1667.


شهدت تلك السنوات صعود خطاب الجماعات الدينية التطهرية الداعية لتحصين النفس ضد عالم مليء بالشرور. روجت هذه الجماعات إلى تحصين النفس بالمعنى الروحي، إلا أن دعاواها سرعان ما تمددت خارج حدود الروح والجسد، ليتحول معها فضاء الغرفة إلى ما يشبه الخزانة التي تحمي ما بداخلها وتعزله عما حوله.



بيت آمزبري – من تصميم جون ويب ، 1660.

يبدو من ذلك أن اتصال فضاءات المعيشة كان لأغراض جمالية، أما فصلها فكان لأغراض وظيفية. وهو ازدواج لم يحظ بالقدر الكافي من البحث النظري إلى الآن. يسمح ذلك الازدواج باتصال متتابع للفضاءات يثير فضول البصر، وفي نفس الوقت يحجب اتصال الأفراد ويقلل فرص اختلاطهم بغيرهم عن طريق الصدفة. يفرض هذا الازدواج فصلاً جذرياً بين العمارة كفضاء يُرى من خلاله وفضاء يخفي؛ بين العمارة كغرض للاستهلاك السلعي والعمارة كغرض للاستمتاع الحسي؛ بين الوظيفة والجمال؛ بين المحتوى والشكل. بالتأكيد يمكننا البحث عن هذا الازدواج أيضاً في أعمال رفاييل، إلا أن طرفي الازدواج في أعمال رفاييل يبدوان كما لو كانا أكثر اتساقاً أو كما لو كانا يعملان في ذات الاتجاه، على عكس الحال في كولزهيل حيث يقعان على طرفي نقيض.


السبب وراء الفصل بين الغرف وتصميم المداخل المنفصلة ليس واضحاً تمام الوضوح، إلا أنه يظهر بشكل أكيد تغيراً في تفضيلات المجتمع تجاه الاختلاط والانفتاح على الآخر، سواء أكان هذا الآخر من سكان المنزل ذاته أو ضيفاً عابراً. ليس صحيحاً أن هذا التغير قد أتى عبر سلسلة متوقعة من التحولات التدريجية في أشكال العمارة المحلية أو كما هو شائع عبر استقدام نماذج من العمارة الإيطالية في عصر النهضة، وإن كانت تلك النماذج قد أسهمت بشكل ما في هذا التغير. على العكس، ظاهر الأمر يرجح أن هذا التغير قد أتى فجأة ودون مقدمات تاريخية.


شهدت تلك السنوات صعود خطاب الجماعات الدينية التطهرية الداعية لتحصين النفس ضد عالم مليء بالشرور. روجت هذه الجماعات إلى تحصين النفس بالمعنى الروحي، إلا أن دعاواها سرعان ما تمددت خارج حدود الروح والجسد، ليتحول معها فضاء الغرفة إلى ما يشبه الخزانة التي تحمي ما بداخلها وتعزله عما حوله. في هذا السياق تعطينا قصة كوتون ميذر ، وهو قس تطهري من نيو إنغلند، مثلاً عن تماهي مفهومي الأخلاق والعقلانية بشكل طوعي. بحسب القصة، أخذ ماذر على عاتقه الامتناع عن مخالطة الناس إلا إذا عاد ذلك بفائدة ما، إما بمشاركة النصح كلما سنحت الفرصة أو بإبداء الملاحظات البناءة أو بالتحذير من الوقوع في المشاكل. في رواية أخرى يظهر ماذر كقدوة صالحة، يفعل كل ما في وسعه لنفع أخوانه وحتى الخدم الذين يعملون لديه. لكي يتمكن من فعل كل هذا الخير، رأى ماذر أنه يجدو بالمرء الحفاظ على الوقت بتلافي المصادفات غير المخططة أو الزيارات غير المعد لها، حتى أنه وضع على باب مكتبه لافتة تقول "كن موجزاً" ليحمل زواره على اقتصار زياراتهم بشكل عملي على ما هو نافع ومفيد.

تقسيم فضاءات السكن إلى نطاق خاص للغرف وآخرعام للممرات والأدراج يقوم بذات الوظيفة التي تقوم بها تلك اللافتة على باب مكتب القس التطهري. فهي تصعب على زائر المكان الولوج إلى غرفة دون وجود سبب مسبق لوجوده فيها. من هنا أتت الفكرة المعاصرة عن الخصوصية، لا كإجابة عن سؤال السكينة والراحة، وإنما على الأرجح كاستجابة لتوجه سيكولوجي مستجد تنظر من خلاله النفس البشرية إلى ذاتها، للمرة الأولى، لا كنفس مهددة في وجود الآخر وحسب، وإنما أيضاً كنفس معرضة للتلوث والإفساد بسبب وجود هذا الآخر. شاع في آداب القرن السابع عشر تشبيه النفس البشرية بثنايا أجنحة القصور التي يجب أن تظل بعيدة عن أعين العوام. ولا ندري إن كانت يد الخصوصية قد طالت النفس البشرية أو أجنحة القصور أولاً، إلا أنه وفق ما تقدم يبدو أن لكليهما تاريخ مشترك .


عكف معماريو القرن الثامن عشر على تطوير نماذج مشابهة للنمط المتبع في آمزبري، لكن دون اختلاف كبير. رغب الجميع في تحقيق التوازن بين غرف متصلة ومنفتحة أمام حركة السادة، وممرات مغلقة ومحكومة بأبواب محددة أمام حركة الخدم. إلا أن مطلع القرن التاسع عشر شهد تحولاً كاملاً صوب التنظيم الموحد لعناصر الحركة والمداخل في العمارة السكنية. يظهر ذلك بشكل واضح في المساقط الأفقية للقصور والمنازل التي صممها المعماريان جون سوان وجون ناش والتي تبدو بالمقارنة مع معاصريهما كمؤشر مبكر على التحول باتجاه الحداثة المعمارية.


تماماً مثل برات، عمد سوان إلى صف المداخل المتتالية خلف بعضها، إلا أنه لم يكتف بذلك فعمد إلى صف فضاءات بأكملها خلف بعضها البعض، بحيث لا ينحسر مجال الرؤية في منظور تلسكوبي متراجع، بل ينفتح بحرية على جانبي النقطة المركزية للمنظور. إلا أن ذلك التتابع كان مقصوراً على فضاءات الحركة فقط، بينما انفصلت الغرف بشكل كامل. في بيت جون سوان الذي صممه لنفسه في مراعي لنكولن إن، كما في بيوت أخرى من تصميمه، كانت الرغبة باتجاه الفضاءات الكبيرة المنفتحة تحدها دائماً رغبة مساوية في الحفاظ على استقلالية الغرف وفصلها تبعاً لاختلاف وظائفها. فنرى أنه كلما انغلقت الغرف على ذاتها، زاد اتساع الممرات واتصالها خارج الغرف، وكأن انفتاح المجال البصري أمام العين خارج الغرف كان تعزية للروح والجسد المنكفآن على ذاتيهما داخل الغرف، وهو نمط من التعويض سيصبح لاحقاً أكثر وضوحاً في عمارة القرن العشرين. وعليه، شمل الانفتاح البصري في تصميمات سوان ممرات للحركة إلى جانب مساحات أخرى مفتوحة خارج الغرف، ولم ينعكس على الغرف ذاتها. كما الحال في كولزهيل، انصب الجهد التصميمي على الأدراج والممرات والطرقات وصالات التوزيع وغيرها من فضاءات الحركة التي لم تكن أكثر من مساحات انتقال من غرفة لغرفة، خاوية وغير مأهولة إلا من بضع تماثيل ولوحات فنية.


بعد نصف قرن من تلك اللحظة، حين حذر روبرت كير من مشاكل الفضاءات الخلالية، كانت المشكلة قد تم حلها نهائياً بالفعل، وأصبحت الخصوصية والممرات مطلباً معمارياً راسخاً يظهر في المساقط الأفقية للعمارة السكنية على اختلاف تجلياتها سواء في البيوت الكبيرة أو الصغيرة؛ في أجنحة الخدم أو في الأجنحة العائلية؛ بين غرف العمل أو اللعب. كل هذه الفروقات بدت هامشية بالمقارنة مع التصنيف الرئيسي بين غرفة وممر والذي ساد مناهج التخطيط السكني منذ ذلك الحين. في هذا السياق أنتج كير مخططات تختزل مجمل خريطة المنزل إلى مجموعة من المسارات وعدد من الوجهات التي تتحرك بينها تلك المسارات التي تخط معاً شكل العمارة ومعنى السكن.



شاع في آداب القرن السابع عشر تشبيه النفس البشرية بثنايا أجنحة القصور التي يجب أن تظل بعيدة عن أعين العوام. ولا ندري إن كانت يد الخصوصية قد طالت النفس البشرية أو أجنحة القصور أولاً، إلا أنه وفق ما تقدم يبدو أن لكليهما تاريخ مشترك.



قصر أنطونيني، أوديني، من تصميم أندريا بلاديو، 1556. مخطط القصر يتكون من مصفوفة من الغرف المتصلة ببعضها عبر أبواب متعددة، مع طرقة مركزية تستعمل لتوزيع حين إغلاق أبواب الغرف.

في ظاهر الأمر، قد تتشابه شكوى ألبرتي، الذي كان يقدر الخصوصية بشكل يفوق معاصريه من القرن السادس عشر، وشكوى كير حول اختلاط الأسرة والخدم وإزعاج الأطفال وثرثرة النساء. يكمن الفرق بينهما في رؤية كل منهما لكيفية تدخل العمارة لحل هذه المشاكل. في حين اكتفى ألبرتي بترتيب فضاءات المنزل في مصفوفة تتحكم في الاختلاط ولا تمنعه عن طريق أبواب كبيرة يمكن إغلاقها حين الحاجة وبحيث تكون الفضاءات الأكثر إزعاجاً هي دائماً الأبعد، عمد كير إلى حشد العناصر المعمارية في مواجهة أي احتمالية للاختلاط أو التشتيت. يظهر ذلك في عدد من التكتيكات التي تنطوي على تخطيط دقيق لكل عنصر من عناصر المبنى وصولاً للفرش والأثاث استناداً إلى استراتيجية عامة من التقسيم والفصل يرافقها من ناحية أخرى نظام موحد للحركة بين الغرف والدخول إليها.


واقع الحال، كان ذلك النظام الموحد للحركة منذ البداية ضرورياً لمبدأ الخصوصية بقدر ما كانت الغرفة ذات المدخل الواحد. فتقسيم المبنى إلى غرف لابد بالضرورة وأن يستتبع تنظيم الحركة بين هذه الغرف. ففي غياب مسارات واضحة تنظم الحركة من وإلى الغرف سيزول الرابط الوحيد الباقي بين أجزاء المبنى وستتحول تلك الغرف إلى محض فضاءات متجاورة دون علاقة تربطها وتكسبها معناها. في البيوت ذات الغرف المنفتحة على بعضها تنتظم الحركة بين الفضاءات المختلفة عن طريق الفلترة المتتابعة، بينما يتم ذلك في البيوت ذات الممرات عن طريق التفريعات عبر سلسلة من الممرات. وبينما لم يكن لتنظيم الحركة تأثير كبير على الشكل في نمط الغرف المنفتحة، كانت الحركة هي المنتج الرئيسي للشكل في نمط الممرات. وبينما تتصل أجزاء البيت ببعضها كما تتصل أجزاء الثوب المخيط في النمط الأول، أصبحت أجزاء البيت تتصل ببعضها كما تتصل أفرع الشجرة بجذعها في النمط الثاني.


وعليه، لم تكن الممرات في مباني القرن التاسع عشر العمود الفقري للمباني لأنها فقط تشبه شكل العمود الفقري على المسقط الأفقي، بل لأنها تقسم الوظائف بين أجزاء المبنى المختلفة عن طريق وصلهم بمسار توزيع مغاير، تماماً كما يعمل العمود الفقري في جسم الإنسان. وبطريقة تتحول معها العلاقة بين الغرف المختلفة إلى علاقة بين أبوابها وتصبح المهمة الوحيدة للممر هي تنسيق هذه الأبواب ضمن نظام سليم للتواصل.


سهل هذا الكثير من المصاعب المترتبة على تجاور الأنشطة داخل البيت الواحد، إذ لم يعد من الضروري المرور بشكل متعاقب على كل الغرف بكل ما تحويه من إلهاءات وحوادث. عوضاً عن هذا، أصبح الآن بإمكانك الخروج من باب أي غرفة إلى شبكة من المسارات تترتب فيها الأبواب بحسب قربها أو بعدها بل بحسب أي منها مسموح بدخوله. التناقض الواضح هنا هو أن الممر حقق الاتصال على حساب التواصل. فالممر يعمل على تسهيل الاتصال النفعي بين غرفة وأخرى، بينما يحاول تقليل مصادفات التواصل الاجتماعي غير المخطط بين شاغلي تلك الغرف، إذ أن ذلك التواصل الاجتماعي العارض بحسب أفكار ذلك العصر ومقتضياته الأخلاقية كان في أحسن الأحوال ملهاة وفي أسوأها مفسدة.

أجساد في فضاء الغرفة

منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى عهد قريب لم يطرأ الكثير من التغيير على تخطيط فضاءات السكن. لم يبذل معماريو العصر الفيكتوري أو حتى المعماريون الحداثيون الكثير من الجهد للتحرك قدماً، أو حتى التراجع، عن المبادئ التي تم إرساؤها منذ القرن التاسع عشر. بالرغم من المناقشات و السجالات التي سادت أواخر القرن التاسع عشر، والتي دارت في أغلبها عن التحسينات الكبيرة التي ستطرأ على الحياة اليومية، إما بالرفض الكامل لإقحام الميكنة في العمارة من جانب التقليديين أو الاعتناق الكامل لها من جانب التقدميين، اشترك كلا الطرفين في رؤية الخلاص نابعاً من كيفية بناء فضاءات السكن، لا كيفية تخطيطها. كان كلاهما مشغولاً بسؤال "كيف سيتم بناء المبنى؟" لا "كيف سيشغله سكانه؟" شهدت تلك الحقبة تحول السكن إلى سلعة يتم إنتاجها كغيرها من السلع، كما شهدت تحول المعماريين من الحديث عن "السكن" كمكان، إلى "الإسكان" كفعل. انصرف المعماريون عن الاهتمام بطبيعة المكان، وانصب حديثهم عن انتاج وتجميع أجزائه. إلا أنه خلف هذا أو ذاك التوجه الثوري إزاء البناء، ظل المنزل وأساسيات تخطيطه ثابتة دون تغيير، إلا أن أحداً لم ينتبه لتلك الحقيقة في خضم الاحتفاء بديناميكية الحركة الحداثية وطوباوية أحلامها.


المنزل الأحمر، من تصميم ويليام موريس وفيليب ويب، هو واحد من الأمثلة المهمة على حركة بعث الحرف والفنون بدأ موريس العمل عليه في العام 1859، قبل أن يكمل لوحته الشهيرة إيزولدا الحسناء La belle Iseult. الموضوع الحقيقي للعملين، البيت واللوحة، هو زوجة موريس الجديدة، جين. كانت اللوحة بورتريه لها، وكان المنزل سكنها الجديد، شكل الإثنان معاً مشروعاً حالماً يعود بنا إلى رومانسية القرون الوسطى، ويتسامى عن الانخراط في سجالات مصطنعة حول الطراز الأمثل بين قوطي وكلاسيكي. إلا أن رومانسية القرون الوسطى تلك لم تتسرب للمسقط الأفقي للمنزل، والذي جاء فيكتورياً بشكل قاطع. كان المنزل ممثلاً للتعاليم التي أرساها كير، ربما أفضل من أعمال كير نفسه: الغرف لا تنفتح على بعضها، باب واحد لكل غرفة، فضاءات الحركة متمايزة وموحدة .


كيف تسنى لموريس، ذلك البوهيمي الراديكيالي الذي يعيش حياة غير اعتيادية ضارباً عرض الحائط بقيم البورجوازيةطبقة أصحاب الأعمال التي تسيطر على وسائل الإنتاج وتراكم الأرباح من فائض قيمة عمل العاملين لديها. يستخدم الاصطلاح أيضاً لوصف قيم وثقافة الطبقة الوسطى المدينية. وثوابتها، أن يبني منزلاً اعتيادياً؟ ما سعى إليه موريس في واقع الحال لم يكن تغيير الواقع بقدر ما هو تحويره. كان موريس مهتماً بإعادة إنتاج المخيلة الأدبية القروسطية لا نمط حياتها. كانت تلك المخيلة مفرطة في روحانيتها وهو ما اقتضى درجة من العزلة تعفي الجسد من ثقل ومادية الاجتماعيات. بالمقابل، عندما انتقل من منزله هذا إلى منزل آخر يعود فعلياً للقرون الوسطى، حافظ موريس على انفتاح المسقط الأفقي للمنزل الجديد، لا من باب المعالجة المعمارية الجريئة، إذ أنه لم يجد في ذلك الانفتاح مادة للإطراء، بقدر ما اعتبره اختباراً لقدرة الزوار على احتماله. يقول موريس: "يتمتع الطابق الأول بخاصية عجيبة، فهو بلا ممرات. يضطر المرء إلى الانتقال بين غرفة وأخرى ما قد يسبب الحيرة والارتباك لبعض زوار المنزل، الذين قد يجدون السرير بجانب غرفة الجلوس أمراً شائناً أضطر للتعايش معه بشجاعة..."


في إيزولدا الحسناء، كما في عديد من أمثلة الفن الفيكتوري، الجسد هو إشارة إلى ساكن غير مرئي. في اللوحة تحولت جين زوجة موريس، إلى ما يشبه منحوتة واهنة الجسد مفعمة الروح، تعود بنا إلى جماليات ما قبل رفاييل: الجسد الناحل والتعبيرات الشاردة. وكما في لوحات رفاييل، بالكاد نفهم الفضاء المعماري للمشهد، لكن لأسباب تختلف عن تلك التي أوضحناها في أعمال رفاييل. تقاطعات الأجساد هنا لا تطغى على الفضاء المعماري، بل تحل محلها تقاطعات الأثاث والفرش والستائر والزخارف وغيرها من مكونات الغرفة. ما يشغل حيز اللوحة هنا هو الأشياء وليس الأجساد وكأن الأشياء تمثل حضور أصحابها نيابة عنهم.


اعتقد موريس أن الخطيئة الكبرى للقرون الوسطى، رغم غزارة إبداعها الفني، هي العنف. بينما الخطيئة الكبرى للقرن التاسع عشر هي غلاظة الذوق والانصراف عن الفن والثقافة. من منظور موريس كان المنزل الأحمر مساحة تجمع الإبداع الفني للقرون الوسطى برصانة الحياة المنزلية في القرن التاسع عشر. إلا أن هذا الجمع، للأسف، أنتج تركيزاً على حضور الأشياء أكثر من حضور الأجساد، حتى أن الجسد البشري، في حضور هذه الوفرة من الأشياء، بدا كما لو كان ظلاً ثقيلاً للروح ينبغي أن ينسحب من المكان.


كان ذلك الانسحاب الجسدي سائداً واتخذ أشكالاً عدة. كان موريس نفسه رجلاً حسياً، يحب معية الأصدقاء ويكره التطهريين ويمزق الستائر ويطيح بصحون الطعام السيء من النافذة، كان يقرع أسطح الأثاث ويكسر الكراسي ويضرب الحائط برأسه عند الغضب، كان يصرخ ويسب ويبكي، وهو ما كان يسبب الارتياع لمعاصريه من المحافظين. إلا أنه في ذات الوقت، عاش وعمل ضمن إطار من آداب العصر السائدة التي مجدت الاستقرار والخصوصية. ينطبق الأمر ذاته على عدد من المفكرين والكتّاب الذين شاركوا موريس امتعاضه من تدجين الحياة المنزلية إبان القرن التاسع عشر.


المنزل الأحمر ، من تصميم ويليام مورس و فيليب ويب ، 1859.

مخططات المنزل الأحمر ، تصميم ويليام مورس و فيليب ويب ، 1859.

إيزولده الحسناء – ويليام مورس ، 1858 – زيت على قماش 71x50 سم.


استشعر معماريو الحداثة الأوائل ذات الحرج، وعبروا عن امتعاضهم بطرق مختلفة إزاء عسف وسلطوية الحياة الأسرية إبان القرن التاسع عشر، فلجأوا إلى بديل من إثنين، إما إذابة المحتوى السلطوي للحميمية الأسرية ضمن المحيط الاجتماعي الأوسع من الأسرة (المدينة والفضاء العام)، أو تفكيك تلك الحميمية وفصل أفراد الأسرة في غرف مستقلة،.



دراسة مقارنة لمخططات الحركة بين منزل تقليدي (يسار) و تصميم مقترح (يمين) بواسطة ألكسندر كلاين ، 1928 – تم إعادة إنتاج الرسم المخططات بواسطة كاترينه باور ، 1934.

بين هؤلاء، صمويل بتلر الذي كرس روايته، طريق الجسد The Way of the Flesh لكشف تدليس قيم الحياة الأسرية وفق المنظور الفيكتوري. كان بتلر كجراح يشرح جثة تنتفض اعتراضاً كلما اخترقها نصل المبضع. على سبيل المثال، يصف هذا المقطع حميمية العلاقة بين الأم وابنها عند تجاورهما على أريكة واحدة:

"ولدي العزيز، نادته أمه، آخذه بكفه بين يديها، عدني ألا تخاف مني أو من أبيك، وطبعت عدة قبلات على وجنته وهي تمرر أصابعها بين خصلات شعره، بينما لازالت يدها الأخرى ممسكة بكفه. ارتبك الطفل، أزعجه الدفء الزائد، شعر بعدم الارتياح، لاحظت أمه ذلك واستمتعت بوقع ذلك على الطفل. لو تشككت للحظة في النصر الساحق الذي أحرزته على طفلها لكانت تركت متعة لمسه. بحصارها له على الأريكة، ممسكة بيده، كانت الأم واثقة أنها أوقعت بغريمها وأن بإمكانها أن تفعل به ما يحلو لها."

يمكننا أن نلاحظ هنا أنه تلامس الأجساد أنتج نوعاً ما من العذاب. الحنين نحو الألفة والاتصال المباشر أنتج طريقة معقدة لوأد روح الطفل المتحررة. غير أن ثقل ذلك الدفء الأسري الخانق للحرية والفردانية لم يظهر بشكل عام في الأدبيات التي تصور الحياة المنزلية في القرن التاسع. على العكس، اتسمت تلك الأدبيات بتقدير مفرط للتهذيب والكياسة إلى حد السلبية والجمود كما يشير بتلر. الابتزاز العاطفي المشين من الأم لابنها كان إجراءاً وقائياً لاستبقاء بنية السلطة الأسرية بطريقة ودودة وغير مباشرة. البدائل المتاحة كانت إما الإقرار بأن ما فعلته الأم كان محض انتهاك لجسد الصبي يقع على حافة الإغواء الحسي، أو أن ننزع العاطفة عن العلاقات الإنسانية بالكامل تجنباً لاحتمالية هذا الإغواء. وفي الحالتين يظهر الجسد كضحية ساذجة للخداع العاطفي.


استشعر معماريو الحداثة الأوائل ذات الحرج، وعبروا عن امتعاضهم بطرق مختلفة إزاء عسف وسلطوية الحياة الأسرية إبان القرن التاسع عشر، فلجأوا إلى بديل من إثنين، إما إذابة المحتوى السلطوي للحميمية الأسرية ضمن المحيط الاجتماعي الأوسع من الأسرة (المدينة والفضاء العام)، أو تفكيك تلك الحميمية وفصل أفراد الأسرة في غرف مستقلة، وهو، كما اتضح لاحقاً، ما كان الخيار الأكثر تطبيقاً في العمارة السكنية. بعد الخطاب الشجاع والرؤى الطوباوية للحداثة، استأنف الحداثيون ما بدأه التطهريون قبلهم بقرن من الزمان، لكن هذه المرة باسم الحداثة. ولسخرية القدر، أصبح الفيكتوريون الآن على محك اللوم بسبب مخططاتهم السكنية التي بدت في ضوء الحداثة، ويا للعجب، كما لو كانت منفتحة أكثر من اللازم.


على سبيل المثال، عام 1928 قامت الهيئة الألمانية للإسكان بتكليف المعماري ألكسندر كلاين بإعداد مقترح لـ "منزل وظيفي يوفر حياة خالية من الاحتكاك." عقد كلاين مقارنة بين مقترحه وبين مسقط أفقي تقليدي من القرن التاسع عشر، وأظهرت مخططات تدفق الحركة التي أعدها كلاين، تفوق المسقط الحداثي على مسقط القرن التاسع عشر الذي بدت فيه مسارات الحركة الضرورية لسكان المنزل كما لو كانت خطوط سكك حديدية متقاطعة، بينما ظهرت الخطوط على المسقط الحداثي مستقيمة ومتمايزة دون تلامس. لم تتقاطع المسارات ولو لمرة واحدة على لوحة الرسم، فنجد مثلاً أن المسار الذي يأخذه الجسد العاري من السرير نحو الحمام يمر بحساسية شديدة معزولاً عن باقي المسارات. ينضوي ذلك الحذر ضمن الاستعارة التي يحملها عنوان التصميم المقترح. فكل لقاء عارض بين شخصين في المنزل هو بمثابة "احتكاك" ينبغي اجتنابه لضمان كفاءة عمل الماكينة المنزلية، والتي تبدو وفق الاستعارة ذاتها، كماكينة شديدة الحساسية، تقع دائماً على حواف العطب. وبالرغم من أننا ننظر الآن إلى تهافت ذلك المنطق بعين الاستخفاف، إلا أنه يمكننا تتبع آثاره في طيات ما نجده بين أيدينا اليوم من تنظيمات وأكواد للبناء ونظريات للتصميم وغيرها من القواعد المهنية المرعية والتي تشكل قوام المعمار السكني المعاصر.

لا يوجد فارق كبير بين هلع كلاين من احتكاك الأجساد على المساقط الأفقية وبين ما يصفه بتلر بـ"غثيان التلامس"، باستثناء أن كتابة بتلر كانت محض تسجيل للتجربة، بينما كانت مساقط كلاين تعريفاً لها. تنطبق رؤيتا كلاين وبتلر كذلك في إدانة الحميمية كشكل من أشكال العنف، وإدانة العلاقات الإنسانية كشكل من أشكال التبعية، وهو ذات السمت الذي سارت عليه الأمور منذ نهاية القرن التاسع عشر، فالتحرر دائماً ما جاء على خلفية الانعتاق من قبضة المجتمع. يستخدم عدد من أطباء النفس الراديكاليين اليوم كلمة "استعباد" bondage لوصف ما يربط الإنسان بمحيطه الاجتماعي، بهذا المعنى، ليس هناك ما هو أفضل من قطع تلك الروابط وإنهاء تلك العبودية. يستخدم عدد من علماء القربيات proxemics ذات النص من تأليف بتلر لاختبار رد الفعل السيكولوجي الذي يستتبعه اختراق الحيز الشخصي، أي تلك الفقاعة التي تغلف أجسادنا وتحول بينها وبين عدوان الحميمية عليها. تحاول هذه الأمثلة وغيرها في مجال الدراسات السلوكية والسيكولوجية تكريس مفاهيم حديثة العهد كما لو كانت حقائق وقوانين علمية صالحة للحكم على واقع ثابت غير قابل للتغير. عزاؤنا الوحيد هنا هو أنه ربما قبل أن تتحول تلك التصنيفات إلى قوانين راسخة، ستكون تلك المفاهيم والممارسات ذاتها قد تغيرت أو تورات طي النسيان آخذة معها تجلياتها المعمارية.


حتى الآن لا توجد طريقة لتبديل النمط الحداثي لتخطيط المسكن. يعيد الكثير من المعماريين إنتاج المسكن الحداثي إما لسخرية القدر أو على أمل اكتشاف قيمة خافية فيه لم تكتشف بعد. بالمقابل، هناك أمثلة جيدة ظهرت مؤخراً تقدم نفسها كبدائل نقدية للتقليد السائد، كاستقصاء للبحث عن الغرابة أو كهروب لحظي من سأم الضرورة. لازلنا لا نملك الشجاعة لمواجهة الاعتيادي، إلا أن كثرة المحاولات التي ترواغ ذلك الاعتيادي تنبئ أننا ربما لا نقترب من نهاية تركة الحداثة المعمارية وحسب، بل من نهاية الحداثة التاريخية كلها بدءاً من انطلاقتها الأولى في زمن الإصلاح الكنسي. تطلب الأمر تحولاً قاطعاً للانتقال إلى الحضارة، وسيأخذ الأمر تحولاً قاطعاً آخر للخروج منها .


ربما يبدأ ذلك التحول بفهم لماذا استقبل اللاحقون أعمال رفاييل تحديداً دون غيره من فناني عصر النهضة العظام بقليل من التسامح، ليحمل بعد ثلاثمائة وخمسين عاماً على وفاته ذنب إفساد الفن. وإذا ما تغاضينا عن المتعاطفين مع جماليات القرون الوسطى ومرحلة ما قبل رفاييل، لا يزال الرجل في اعتقاد الكثيرين متواضع الفكر وينقصه الحس الفني. ربما من الجيد أن ذهب رفاييل أدراج النسيان هو ولوحاته المزدانة بقديسين ممتلئين بالوقار وعذراوات يلبسن الحرير والدماس في تراكيب معقدة بين أذرع ممدودة وأجساد متقاطعة تشرع لتوها في أمر ما، فذكراه ربما كانت لتقف عقبة في وجه الروح الحداثية الجديدة. المغزى من تكوينات رفاييل لم يكن مفهوماً من منظور القرن التاسع عشر ولا النصف الأول من القرن العشرين، تلك التكوينات التي أظهرت إلى النور نوعاً من الانجذاب الحسي بين الأجساد البشرية لا يحدوه سبب حقيقي سوى الرغبة. انجذاب يشمل أعنف صدامات الغضب وألطف معانقات الحب، لكن دون أن يلقي الضوء على حقيقة مكنون تلك النفوس الغاضبة أو المحبة. لا تظهر هذه اللوحات العتيقة سوى ولع بالآخرين، وهو ما يسهل تفسيره كنوع من الترف في مجتمع يكرس الفضيلة ويمجد المعرفة والعمل. لا غرو أن يتشكك الضمير الحداثي في هذا النوع من الاجتماعية، وأن يعتبره عذراً للإباحية وعلامة على الانحلال.



هناك أمثلة جيدة ظهرت مؤخراً تقدم نفسها كبدائل نقدية للتقليد السائد، كاستقصاء للبحث عن الغرابة أو كهروب لحظي من سأم الضرورة. لازلنا لا نملك الشجاعة لمواجهة الاعتيادي، إلا أن كثرة المحاولات التي ترواغ ذلك الاعتيادي تنبئ أننا ربما لا نقترب من نهاية تركة الحداثة المعمارية وحسب، بل من نهاية الحداثة التاريخية كلها.



لوحة زواج العذراء، من أعمال رفاييل وورشته، 1504. زيت على قماش وخشب 117x170 سم.

خاتمة

تتناسب مصفوفة الغرف المتصلة مع مجتمع يتمحور حول الجسد ويراه محلاً للذات؛ مجتمع صاخب بالحياة والمناسبات الاجتماعية. نرى ملامح هذه الحياة في عمارة رافاييل ورسمه. كان هذا هو الترتيب النموذجي للحيز المنزلي في أوروبا إلى أن تراجع في القرن السابع عشر واستبدل أخيراً في القرن التاسع عشر بمخطط ترتكز على الممرات، وهو ما يتناسب مع مجتمع يرى الجسد كمجرد وعاء للعقل والروح، وفيه تكون الخصوصية أمراً معتاداً. كان هذا هو نمط الحياة في القرن التاسع عشر الذي صبغ حياة من عاشوا فيه، حتى أولئك الذين نفروا منه كأمثال ويليام موريس. بهذا المعنى، كانت الحداثة نفسها امتداداً لأفكار القرن التاسع عشر.


بُنيت هذه الاستنتاجات على مقارنة عدد من المخططات المعمارية مع لوحات فنية وأعمال أدبية مختلفة. هناك الكثير مما يمكن قوله عن إعادة العمارة إلى رحاب الفن مرة أخرى وإنقاذها من سلطة السيميولوجيا ووهم المنهجية، إلا أن ذلك في كثير من الأحيان لا يعدو عن كونه استبدال سلطة بأخرى. يتم ذلك أحياناً بطرق متحايلة تساوي العمارة بالأدب أو الرسم بحيث تصبح العمارة صدى للكلمات والأشكال، وأحياناً بطرق أكثر تعقيداً، تتبنى مفردات ومنهجيات النقد الأدبي أو التأريخ الفني وتطبقها على العمارة. بالنتيجة، تتحول العمارة بشكل زائف إلى أداة للملاحظة والتأمل تقتصر علاقتها مع تعقيدات الشأن الإنساني على دورها العملي في ترجمة الظواهر.


تختلف العمارة تماماً عن الرسم والكتابة، ليس لأنها تشمل جوانب إضافية كالمنفعة أو الوظيفة، بل لأنها تشمل كل ما هو واقعي، وهي بذلك ترسم بالضرورة نسقاً للحياة الاجتماعية. حاولت فيما سبق أن أتجنب التعامل مع المباني كما لو كانت لوحات أو كتابات. وفي هذا البحث فحصت المخططات بحثاً عن خصائص من شأنها أن توضح الطريقة التي يشغل بها الناس المكان، على افتراض أن المباني تستوعب ما توضحه الصور وما تصفه الكلمات في مجال العلاقات الإنسانية. هذا كما أعلم افتراض فضفاض، وبالتأكيد قد لا تكون هذه هي الطريقة الوحيدة لقراءة المخططات المعمارية، ومع ذلك آمل أن يقدم مثل هذا النهج شيئاً أكثر من مجرد التعليق والمجاز، وأن يوضح دور العمارة في تشكيل الأحداث اليومية. ولست بحاجة لأن أشدد على أن النظر للعمارة بهذا القدر من الأهمية لا يستلزم بالضرورة القول بحتمية الوظيفة أو السلوك. فليس من ثمة مخطط معماري يمكنه أن يملي على الناس التصرف بطريقة محددة أوفرض طريقة معينة للإدراك. وفي الوقت ذاته، لا يمكن للمخطط المعماري أن يمنع الناس من التصرف بطريقة معينة أو أن يعيقهم عما يريدون فعله.


كان الأثر التراكمي للعمارة على مدى القرنين الماضيين أشبه بعملية جراحية شملت المجتمع ككل، طُمست فيها مساحات شاسعة من الخبرة الاجتماعية كإجراء وقائي لفصل الجماعات المختلفة عن بعضها وتحديد أفق التجربة الاجتماعية: خفض الضوضاء وقمع الروائح وتقليل تراكم الأوساخ والحد من انتشار الأمراض ودرء الحرج وتجنب الفحش وتحييد ما لا ضرورة له واختزال الحياة اليومية. ولكن على الجانب الآخر من هذا التعريف، هناك بالتأكيد عمارة أخرى تسعى إلى إعطاء دور كامل للأشياء التي تم إخفاؤها بعناية فائقة؛ عمارة تنشأ من الانبهار العميق بالآخرين؛ عمارة تعترف بالعاطفة والاجتماعية وتفضل الغرف المتصلة على الممرات.