بوريس غرويس
Groys, Boris. “Entering the Flow: Museum between Archive and Gesamtkunstwerk.” E-Flux Journal, vol. 50, Sternberg Press, 2013, pp. 14–26.
تمت ترجمة ونشر هذا المحتوى تحت رخصة المشاع الإبداعي. إعادة إنتاج هذا المحتوى لغرض تجاري تضع صاحبها تحت طائلة الملاحقة القانونية.
تقليدياً كانت الوظيفة الأساسية للفن هي مقاومة تدفق الزمن. فالمتاحف العامة للفنون والمجموعات الفنية الخاصة إنما وُجدت بهدف اختيار أعمال فنية بعينها وسحبها بعيداً عن دائرة الاستخدام، وبالنتيجة تحصينها ضد القوة المدمرة للزمن. ما يجعل من متاحف الفنون في واقع الحال مزابل ضخمة للتاريخ، تحفظ وتعرض أشياءاً عفى عليها الاستخدام في الحياة العادية: صور مقدسة من أديان غابرة أو أشياء كان الناس فيما مضي يتفاخرون بامتلاكها ثم ولى عليها الزمن. اشترك الفنانون أيضاً، ولردح طويل من تاريخ الفن، في مقاومة قوى الزمن المدمرة. رغب الفنانون في إنتاج أعمال فنية قادرة على تجاوز الزمن، حاولوا تجسيد المثل الأبدية للجمال، كرسوا أعمالهم الفنية كوسيط للذاكرة التاريخية للشعوب، ليصبح العمل الفني شاهداً على الأحداث والمآسي والآمال والمشروعات التي كانت لتذهب أدراج النسيان لولا أن خلدها الفن. وبهذا المعنى يشترك الفنانون والمؤسسات الفنية في مشروع لمقاومة التحلل المادي والانزواء التاريخي.
تأسست كذلك متاحف الفنون، في صورتها التقليدية، على مفهوم شمولية تاريخ الفن. على مدار التاريخ، لجأ المنسقون الفنيون في تلك المتاحف لاختيار أعمال بدت كما لو كانت تحمل قيماً عالمية جامعة. إلا أن تلك الممارسات الانتقائية تعرضت للنقد في العقود الأخيرة على خلفية تجاهلها وحتى قمعها لهويات ثقافية بعينها، حتى أنه لم يعد مقبولاً من الناحية النظرية القول بوجود هويات مثالية عابرة للخصوصيات التاريخية. بحسب هذه النظرة لا يمكن الحديث عن هويات سوى تلك المتجذرة في الحقائق المادية لوجودنا المباشر: كالهويات الثقافية المناطقية، أو الهويات المتعلقة بالعرق والطبقة والجندر، وغيرها من التنويعات المحتملة من تلك الهويات الخاصة. فالأوضاع المادية للوجود البشري شديدة التنوع ودائمة التغير بشكل متجاوز للحصر، ما يجعل مهمة المتحف في مقاومة الزمن وتمثيل الذاكرة الإنسانية على تنوعها تنتهي حتماً بطريق مسدود، إذ أنه بوجود هذا العدد غير المحدود من الهويات والذاكرات المحتملة، لابد وأن ينحل المتحف من تلقاء نفسه لعدم قدرته على الإحاطة بها جميعاً.
إبان عصر التنوير والثورة الفرنسية نشأ المتحف كذاكرة علمانية بديلة عن ذاكرة الإله، إلا أنه وعلى عكس الذاكرة الإلهية غير المحدودة والتي يمكنها الإحاطة بكل الهويات والشخوص الماضية والحالية والآتية، يظل المتحف مجرد بناء مادي محدود. يبدو إذاً عالم المادة بمحدوديته عاجزاً عن انتاج أي نوع من الشمولية، لكن هل تعبر هذه الرؤية حقاً عن الفكر المادي؟ أقترح الإجابة على هذا السؤال بـ لا. فالخطاب المادي، كما طوره ماركس ونيتشه، يصف عالماً في حالة من الحركة الدائبة، عالماً يسبح في تيار متدفق، سواء أكان هذا التدفق متعلقاً بديناميكيات قوى الإنتاج أو حتى بدوافع حسية غريزية بسيطة. ووفق هذا التراث المادي فإن كل الأشياء محدودة وقابلة للحصر، إلا أنها أيضاً تسري في خضم تدفق مادي لا محدود. الفلسفة المادية إذاً تعرف نوعاً من الشمولية، هي في واقع الحال شمولية التدفق المادي لهذا العالم.
حتى الأجسام البشرية، بوصفها أشياء ضمن باقي الأشياء في هذا العالم، هي أيضاً جزء من هذا التدفق المادي الشامل. فالجسم البشري يمرض ويشيخ ويموت. لكن على الرغم من أنه معرض للتحلل والتلاشي في خضم هذا التدفق، إلا إن ذلك لا يعني بالضرورة أن ما يخطه هذا الجسم في أرشيفات الثقافة هو أيضاً معرض بالضرورة للتحلل والتلاشي. فالشخص يولد ويعيش ويموت حاملاً نفس الاسم، نفس الجنسية، نفس السيرة الذاتية، نفس الموقع الإلكتروني، ما يعني أنه يظل نفس الشخص. أجسامنا ليست الدلائل المادية الوحيدة على وجودنا. فمنذ الميلاد، نجد أنفسنا مستلحقين ضمن أنساق طبقية واجتماعية معينة تحدد من نحن، دون موافقتنا، وعادةً حتى دون معرفتنا بهذا الأمر، وقد تكون تلك الدلائل المادية على شخوصنا هي أرشيفات الدولة أو السجلات الطبية أو كلمات السر اللازمة للدخول إلى حساباتنا الشخصية على بعض المواقع الإلكترونية وغيرها، والتي هي أيضاً سيتم تدميرها بالتأكيد في مرحلة ما من هذا التدفق المادي، إلا أن مقدار الوقت اللازم لحدوث هذا التدمير متجاوز بطبيعة الحال لمقاييس أعمارنا المحدودة. لذا هناك دائماً ثمة توتر بين الطبيعة المادية الجسدية لوجودنا، من حيث كونها مؤقتة وخاضعة للزمن، وبين ما نخطه من معلومات في أرشيفاتنا الثقافية والتي وإن كانت معرضة كذلك للتلاشي المادي، إلا أن وجودها المادي أكثر استقراراً وبقاءاً من أجسامنا.
حتى وإن حاولت المتاحف الادعاء بتمثيل شخصية الفنان كما تتجلى في العمل الفني بطرق أكثر حيوية وغنى من الأرشيفات الأخرى التي تبدو أكثر جموداً، تظل المتاحف التقليدية جزءاً من تلك الأرشيفات الثقافية. وككل الأرشيفات الثقافية، تعمل المتاحف عن طريق ترميم وحفظ محتوياتها من خطر التحلل والتلاشي. إلا أن هذا لا يمكن تعميمه بنفس الدرجة إذا ما نظرنا إلى الأعمال الفنية باعتبارها أشكالاً مرئية متاحة للمشاهدة العامة. فحتى وإن تلاشى الوجود المادي المباشر للعمل الفني، فإن شكل القطعة الفنية يمكن أن يتم استرجاعه ونسخه إلى وسيط مادي آخر. ويخبرنا تاريخ الفن عن هاتين الممارستين، تلك المتعلقة بنقل العمل الفني من صورة مادية إلى صورة مادية أخرى، والأخرى المتعلقة باسترجاع العمل نفسه وترميمه. وعليه فإن شكل العمل الفني يظل بعيداً عن تأثير التحلل المادي، بقدر ما هو مستقر في أرشيفات تاريخ الفن. ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا الشكل تحديداً هو ما يظهر روح الفنان بعد موته أو على الأقل روح العصر الذي عمل فيه، أو أن هذا الشكل هو ما تتجلى فيه هوية ثقافية معينة بعد أن اختفت من عالم المادة.
يمكننا القول إذاً أن النظام التقليدي لإنتاج الفن يعتمد على فض التزامن بين الزمن الفردي للوجود المادي البشري وبين الزمن الذي يتم فيه تمثيل هذا الوجود ثقافياً. إلا أن فناني الطليعة الحداثية وبعض من فناني حقبة الستينيات والسبعينيات حاولوا بالفعل إعادة ذلك التزامن بين مصير الجسم البشري وبين تمثيله تاريخياً. حاولوا الاحتفاء بتهافت وجودنا المادي ومحدوديته، لا أن يوقفوا زحف الزمن، بل أن يتركوه ليحدد ملامح العمل الفني. كان سعيهم موجهاً للبحث عن سيولة زمنية ذاتية التدفق، بدلاً من محاولة البحث عن طرق للتحكم في الزمن من خلال التخليد الذاتي، سواء للعمل الفني أو لشخص الفنان. كانت الفكرة هي إسالة شكل العمل الفني. إلا أن ذلك الاحتفاء الراديكالي بالتهافت والتلاشي أرخى بظلاله على علاقة الفنان بالمؤسسة الفنية بوصفها المؤسسة المنوطة بالتبجيل والتخليد.
العلاقة بين هذين الطرفين مرت بمرحلتين مختلفتين: الأولى هي مرحلة الخصومة من جانب الفنان ضد النظام الفني عموماً، وضد المتاحف خصوصاً، ومحاولة تدميرها كلياً باسم الدفاع عن الفن المتجدد. المرحلة الثانية تضمنت التحور البطيء للمتحف وتحوله إلى منصة لعرض تدفق الزمن. لذا فالشكل المؤسسي الذي اقترحته الطليعة الكلاسيكية بديلاً عن المتحف التقليدي كان هو: العمل الفني الشامل gesamtkunstwerk. أي ذلك الحدث الفني الجامع الذي يتضمن كل الأشياء والأشخاص المشتركين في إنتاجه كبديل عن الفضاء الشمولي للمتحف من حيث كونه تمثيل فني متجاوز للزمن يدعي تمثيل جميع الأشياء والأشخاص.
قدم ريتشارد فاغنر فكرة العمل الفني الشامل للمرة الأولى ضمن أطروحته "العمل الفني في المستقبل" Das Kunstwerk der Zukunft. كتب فاغنر هذا النص من منفاه في زيورخ، بعد الانتفاضة الثورية التي شهدتها ألمانيا عام 1848. في هذا النص طور فاغنر تصوراً عن العمل الفني في المستقبل حمل في طياته تأثراً كبيراً بالفلسفة المادية للودفيغ فويرباخ. ففي بداية أطروحته، يقول فاغنر أن الفنان التقليدي في ذلك العصر كان إنساناً أنانياً محباً لذاته، يمارس فنه حصرياً بغرض تسلية الأغنياء في عزلة كاملة عن حياة الناس العادية، ما يجعل فنه تابعاً لإملاءات الموضة. بينما فنان المستقبل، كما يقول فاغنر، يجب أن يكون مختلفاً بالكلية، "إذ لا يسعه سوى أن يكون شاملاً وصريحاً وغير مساوم. يسلم نفسه لا لحب غرض معين، وإنما للحب نفسه بمعناه الأشمل، وهكذا يتحول الفنان الأنوي المحب لذاته إلى إنسان شيوعي."
وهكذا فالتحول إلى الشيوعية هو أمر ممكن فقط عن طريق التنكر للذات وتلاشيها في المجموع. لذا يسم فاغنر بطله المفترض على أنه صاحب "التبرؤ الأكمل والنهائي من أنويته، وفيه يتجلى الارتقاء الكامل إلى مصاف الشمولية. فقط من خلال الموت، ولا أقصد هنا الموت العارض وإنما الموت كضرورة، بحيث يمكن للفنان أن يستوفي الهدف النهائي من وجوده وأن يتبين تبعات أفعاله. الاحتفاء بهذا الموت هو أنبل شيء يمكن للإنسان أن يحظى به." من الثابت أنه لا يزال هناك فرق بين البطل الذي يضحي بنفسه في الواقع وبين المؤدي الذي يضحي على خشبة المسرح (العمل الفني الشامل كما فهمه فاغنر هو في واقع الحال دراما موسيقية). إلا أن فاغنر يؤكد أن هذا الفرق يتعطل في حالة العمل الفني الشامل، إذ أن الفنان في هذه الحالة "لا يقوم فقط بمجرد تمثيل أفعال البطل المضحي بذاته، لكنه يعيد علينا الدرس الأخلاقي المستمد من هذه التضحية ليثبت أنه بزهده عن ذاته إنما يخضع هو أيضاً، في أفعاله الفنية، إلى حكم الضرورة التي تستنفذ فرديته كفنان." بعبارة أخرى، فهم فاغنر العمل الفني الشامل كطريقة لإعادة التزامن بين محدودية الوجود الإنساني وبين تمثيل محدودية هذا الوجود في الثقافة.
وفقاً لهذا المفهوم تقتصر أهمية دور الفنانين الآخرين على مشاركتهم في طقوس تضحية البطل بذاته. لذا يتحدث فاغنر عن المؤدي البطل بوصفه دكتاتوراً يقوم بتعبئة وتنظيم جهود المتعاونين معه بشكل جمعي لهدف واحد هو تقديم تضحيته هو باسم الجماعة. يجد العمل الفني الشامل معناه ومبتغاه في هذا المشهد الأضحوي، فليس هناك ثمة تتمة تالية أو ذاكرة سابقة، ليس هناك دور تالٍ للمؤدي الدكتاتور، إذ تنفض مجموعة الفنانين بعد الانتهاء من العمل، أما العمل الفني الشامل التالي فتقوم به مجموعة فنية جديدة بقيادة دكتاتور جديد يؤدي الدور الرئيسي في العمل وهكذا. هنا نجد أن هشاشة الوجود الإنساني وعدم استقرار المجموعات الفنية وسيولتها، يتم تبنيها بل وتثويرها أيضاً. تاريخياً هناك العديد من الفرق الفنية التي اتبعت هذا النموذج من العمل : مثل "كباريه فولتير" لهوغو بول و"المصنع" لآندي وورهول ومجموعة الموقفيين الأمميين بزعامة غي ديبور. إلا أننا نطلق اسماً مختلفاً على مثل هذه الدكتاتورية الانتحارية المؤقتة، ألا وهو "مشروع التنسيق الفني" curatorial project.
بدأ ذلك المنعطف التنسيقي في تاريخ الفن المعاصر على يد هرالد زيمان والذي كان مفتوناً بمفهوم العمل الفني الشامل حتى أنه نظم معرضاً فنياً بعنوان "النزعة نحو العمل الفني الشامل" Hang zum Gesamtkunstwerk في العام 1984. وهنا من الضروري أن نسأل: ما هو الفرق بين المعرض الفني التقليدي والمشروع التنسيقي الحداثي كما في حالة زيمان؟ المعرض التقليدي يتعامل مع الفضاء بشكل مجهل ومحايد. الشيء الوحيد المهم في هذا الفضاء هو الأعمال الفنية المعروضة بداخله. وعليه فإن هذه الأعمال يتم التعامل معها بوصفها خالدة في حين يتم التعامل مع فضاء العرض بوصفه استراحة عارضة في مسيرة العمل الفني الخالد. في المقابل يبدو العمل التنسيقي وكأنه يعيد الأعمال الفنية إلى هذا الفضاء المادي العارض.
المشروع التنسيقي، على خلاف المعرض، هو إذاً عمل فني شامل لأنه يستعمل الأعمال الفنية المعروضة لخدمة غرض مشترك صاغه المنسق الفني. وفي الوقت ذاته يستطيع المشروع التنسيقي احتواء جملة من العناصر: الأعمال أو العمليات الفنية المرتبطة بزمن ما وأغراض الحياة اليومية والمستندات والنصوص إلى آخره. تفقد هذه العناصر، بالإضافة لعمارة فضاء العرض أو الصوت أو الضوء، استقلاليتها لتصب في صياغة كلية ينضوي تحتها المشاركون والمشاهدون. وعليه تكتسب الأعمال الفنية التقليدية الساكنة بعداً زمنياً، وتخضع لسيناريو يتغير فيه فهم العمل الفني خلال العرض، ويصبح فهم العمل مترتباً على سياق العرض الذي يبدأ بدوره في التدفق والانحلال بمجرد بدء العمل. وبهذا تتجلى الطبيعة المؤقتة والمحدودة للعمل الفني، ويصبح المشروع التنسيقي في واقع الحال هو إعادة تمثيل لتهافت وهشاشة وجوده هو ذاته.
واقع الحال أن كل مشروع تنسيقي يسعى بالضرورة إلى مناقضة الخطاب التقليدي لتاريخ الفن كما تجسده المجموعة الدائمة في المتحف، فإذا ما غاب هذا التناقض فقد المشروع التنسيقي شرعيته. ولهذا السبب نفسه يمكن لمشروع تنسيقي أن يناقض مشروعاً تنسيقياً آخر، فالمنسق الفني الجديد هو دكتاتور جديد يمحو آثار الدكتاتور السابق. وبهذه الطريقة يمكن للمتاحف المعاصرة أن تحول فضاءات عرض المجموعات الفنية الدائمة باستمرار إلى منصات لاستضافة مشاريع تنسيقية متغيرة. الهدف الرئيسي لهذه الدكتاتوريات الفنية المؤقتة هو جعل المجموعة الفنية الدائمة جزءاً من التدفق المادي المستمر لهذا العالم، جعل الفن سائلاً قابلاً للإنحلال، وإعادة تزامن الفن مع تدفق الزمن.
كما ذكرت سابقاً، في بداية عملية التزامن تلك رغب الفنانون في الإطاحة بالمتحف. يقدم لنا كازيمير ماليفيتش مثالاً جيداً على ذلك في نص قصير لكن مهم بعنوان "عن المتحف" On the Museum صدر في العام 1919. في ذلك الوقت كانت الحكومة السوفياتية الناشئة تخشى من أن تأتي الحرب الأهلية وانهيار الاقتصاد والمؤسسات الحكومية على المتاحف والمجموعات الفنية الروسية، ما حدا بالحزب الشيوعي إلى محاولة تأمين وإنقاذ تلك المجموعات. في هذا النص اعترض ماليفيتش على هذه السياسة المحابية للمتاحف داعياً الحكومة السوفياتية ألا تتدخل للذود عن المجموعات الفنية القديمة لأن تدمير تلك الأعمال، بحسب زعمه، قد يفتح الطريق أمام فن حقيقي متجدد. يقول ماليفيتش :
"الحياة تدرك ما تفعله، وإن كانت الحياة بصدد تدمير شيء ما، فعلينا ألا نتدخل. إذ أنه بمقاومتنا لهذا التدمير نغلق الطريق نحو فهم جديد للحياة يولد بداخلنا. عندما نحرق جثة نحصل في مقابلها على غرام واحد من الرماد، وبالتبعية فإن رفاً كيميائياً واحداً يمكنه أن يتسع لآلاف المقابر. يمكننا أن نتنازل لصالح الرجعيين بإعطائهم صيدلية واحدة يوارون فيها رماد كل الحقب السابقة."
لاحقاً يعطي ماليفيتش مثالاً واضحاً فيقول : "الهدف [من هذه الصيدلية] سيظل كما هو، حتى لو سيختبر الناس ذلك الرماد المتخلف عن روبنز وكل أعماله الفنية، سوف يتشكل في عقول الناس كتلة من الأفكار، وسوف تكون هذه الأفكار أكثر حيوية وتجدداً من ذلك الرماد، وبالتأكيد سوف تشغل هذه الأفكار حيزاً أقل."
يبدو جلياً هنا أن ما يعنيه ليس ببساطة تدمير المتاحف، وإنما يقصد ماليفيتش مشروعاً تنسيقياً يهدف لعرض رماد الأعمال الفنية بدلاً من الأعمال الفنية ذاتها. وبطريقة فاغنرية يقول ماليفيتش أن كل شيء نفعله (يقصد نفسه ومعاصريه من الفنانين) مصيره كذلك إلى المحرقة. بالتأكيد لا يقوم مقيمو اليوم بحرق الأعمال الفنية وتحويلها إلى رماد كما اقترح ماليفيتش، وهناك سبب جيد لذلك، فمنذ زمن ماليفيتش ابتكرت البشرية طريقة لوضع الأعمال الفنية التاريخية على رف الكيميائي دون تدميرها، هذا الرف يسمى "الإنترنت".
أسهم الإنترنت في تحويل المتحف بنفس الطريقة التي أسهمت بها الفوتوغرافيا والسينما في تحويل الرسم والنحت. ألغت الفوتوغرافيا وظيفة الرسم التقليدي كمحاكاة الطبيعة، وبالتبعية دفعت بالرسم في اتجاهات مختلفة عن — وعلى تضاد مع، المحاكاة. عوضاً عن إعادة انتاج وتمثيل صورة الطبيعة، أصبح دور الفن متعلقاً بتفكيك تلك الصورة. وبهذا تحول الاهتمام بالصورة نفسها إلى اهتمام بتحليل كيفية إنتاجها وتمثيلها. بشكل مشابه ألغى الإنترنت وظيفة المتحف كإعادة تمثيل لتاريخ الفن. بالطبع يفتقد المشاهدون على الإنترنت أي اتصال مباشر مع الأعمال الفنية الأصلية، وبهذا تضيع هالة الأصالة التي تميز معروضات المتحف. لذا أصبح زوار المتاحف مدعوين للحج إلى متاحف الفنون بحثاً عن أيقونات الأصالة.
في هذه النقطة تحديداً ينبغي على المرء أن يتذكر فالتر بنيامين والذي قدم للمرة الأولى مفهوم "الهالة" Aura. بحسب بنيامين فالأعمال الفنية خسرت الهالة التي تحظى بها تحديداً بسبب متحفتها. المتحف يزيل الأعمال الفنية من مواقع إنتاجها الأصلية من حيث المكان والزمان التاريخيين. وعليه، بالإشارة إلى بنيامين، فالأعمال الفنية المعروضة في المتاحف هي في واقع الأمر نسخ عن نفسها، تنقصها الهالة التي تميز العمل الأصلي. بالمثل، فإن الإنترنت، بمواقعه الإلكترونية المتخصصة في الفنون، يستكمل المهمة التي بدأها المتحف بإزالة هالة الأصالة عن الأعمال الفنية المعروضة فيه. ما دفع – ولا يزال – عدداً من النقاد إلى القول بحتمية اختفاء المتاحف في المستقبل بالنظر إلى عدم قدرتها على المنافسة الاقتصادية مع أصحاب المجموعات الفنية الخاصة في سوق متعاظم للفنون، ومن حيث إمكانية استبدالها بأرشيفات رقمية أقل كلفة وأكثر إتاحة.
إلا أن العلاقة بين الإنترنت والمتحف تتغير بشكل جذري إذا ما نظرنا للإنترنت لا كمخزن للأعمال الفنية، وإنما كمنصة لتدفق الأحداث الفنية. واقع الحال إن المتحف اليوم لم يعد مكاناً لتأمل الأشياء، بقدر ما هو مكان لحدوثها. الأحداث التي تستضيفها متاحف اليوم لا تقتصر فقط على المشاريع التنسيقية وإنما تشمل أيضاً المحاضرات والمؤتمرات وجلسات القراءة وعروض السينما والحفلات والجولات التعريفية وغيرها. تتدفق الأحداث داخل متاحف اليوم عادةً بشكل أسرع مما هو خارجها. وعادةً ما نجد أنفسنا نتساءل عم يجري الآن بهذا المتحف أو ذاك، ونلجأ ليس فقط للمواقع الإلكترونية الخاصة بتلك المتاحف، بل للمدونات ومواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن الإجابة الشافية. واقع الحال إننا نتردد على المواقع الإلكترونية للمتاحف بأكثر مما نزور المتاحف نفسها. وعلى الإنترنت يبدو الموقع الإلكتروني للمتحف كما لو كان مدونة شخصية، لا تخبرنا عن تاريخ الفن في المجمل، وإنما فقط تخبرنا عن تاريخ المتحف في صورة سلسلة من الأحداث التي استضافها المتحف في السابق. وأهم من كل ذلك يبدو الإنترنت في علاقته مع المتحف أقرب لمساحة للتوثيق منه لمساحة لإعادة الإنتاج. بالتأكيد يمكن أن تتم إعادة المجموعة الفنية الدائمة للمتحف على الإنترنت في صور مختلفة، إلا أن أنشطة المتحف لا يمكن إعادة إنتاجها على الإنترنت بذات الطريقة، بل يتم فقط توثيقها.
يعود ذلك إلى سببين، أولهما أن مشروع التنسيق الفني هو حدث لا يمكن إعادة إنتاجه لاستحالة عزله عن تدفق الزمن. بالمقابل يمكننا إعادة إنتاج العمل الفني نفسه لأنه خارج الزمن منذ البداية. السبب الثاني هو أن مشروع التنسيق الفني هو عمل متكامل لا يمكن اختباره إلا من داخل زمان ومكان حدوثه، في حين يمكن إدراك لعمل الفني التقليدي من موقع خارجي. لكن حركة الكاميرا التوثيقية لا يمكن أن تتطابق بشكل كامل مع حركة نظرة الزائر الفردي. وبالتالي فإن أي محاولة توثيقية لإعادة بناء الرؤية الداخلية والخبرة الخاصة بالحدث الفني هي بالضرورة محاولة مجتزأة. ولهذا السبب يمكننا دائماً تمييز إعادة إنتاج العمل الفني، ولكننا لا نستطيع أبداً تمييز توثيق الحدث الفني بشكل قاطع.
في أيامنا هذه، يتكرر الحديث عن مسرحة المتاحف. والواقع أن الناس في عصرنا هذا يذهبون إلى العروض الافتتاحية بنفس الطريقة التي كانوا يذهبون بها إلى عروض الأوبرا والمسرح في الماضي. تتعرض هذه الظاهرة عادةً للانتقاد لما يُرى فيها من انخراط للمتحف في صناعة الترفيه، لكن مع فارق جوهري. في المسرح يظل المتفرجون في مقاعدهم في مواجهة خشبة المسرح، بينما يدخل المتفرجون إلى المتحف ليجدوا أنفسهم في قلب المشهد. هكذا يحقق المتحف المعاصر الحلم الحداثي الذي لم يتمكن المسرح نفسه من تحقيقه بالكامل قط؛ حلم المسرح الذي يذيب الفارق بين الخشبة والجمهور. وبينما تحدث فاغنر عن العمل الفني الشامل باعتباره حدثاً يمحو ذلك الفارق، نجد مسرحه في مدينة بايرويت لا يمحو ذلك الفارق، بل يجعله أكثر تطرفاً. والواقع أن المسرح المعاصر، بما في ذلك مسرح بايرويت، يستخدم المزيد والمزيد من الفن، وخاصة الفن المعاصر، في عروضه دون أن يمحو الفارق بين الخشبة والجمهور. بالتأكيد تظل التركيبات الفنية جزءاً من السينوغرافيا التقليدية، ألا أنها في سياق مشاريع التنسيق الفني، وعلى عكس المسرح، تجعل الجمهور جزءاً من العمل.
يمكن قول الشيء نفسه عن الترفيه الجماهيري. فحفل لموسيقى البوب أو عرض لفيلم تجاري يمكنه ان يخلق رابطاً بين الجمهور. ولكن الثقافة الجماهيرية في حد ذاتها لا يمكنها تمكين هذه المجتمعات من التأمل الذاتي النقدي، كما أنها لا تستطيع تحويل هذا الرابط المجتمعي العارض والهش موضوعاً لها. تتجه أنظار الجمهور أثناء حفل موسيقى البوب أو عرض الفيلم إلى الأمام — نحو المسرح أو الشاشة — إلى الحد الذي يجعلهم عاجزين عن إدراك فضاء العرض من حولهم، أو تأمل الرابط المؤقت التي يتشكل بينهم وبين الجالسين بجوارهم. هذا تحديداً هو النوع من التأمل الذي تسمح لنا التركيبات الفنية المتقدمة بتحقيقه. وإذا استعرنا مفردات مارشال ماكلوهان، فإن التركيب الفني وسيط بارد — على النقيض من الإنترنت، الذي هو دون شك وسيط ساخن يتطلب من المستخدمين الانفصال مكانياً وتركيز انتباههم على الشاشة. عبر تبريد كل الوسائط الأخرى، تقدم التركيبات الفنية المعاصرة لجمهورها إمكانية التأمل الذاتي — والتأمل في تعايشهم مع غيرهم من الحاضرين ومع المعروضات، وهو ما لا تستطيع الوسائط الأخرى أن توفره بنفس الدرجة.
يمكن اتهام المتحف التقليدي، من حيث هو مكان لعرض الأشياء لا الأحداث، بأنه جزء من سوق الفن التجاري. ولكن كما نعلم، لم يعرض المتحف التقليدي خلال تاريخه الأشياء والصور فحسب؛ بل سمح أيضاً بتأملها نظرياً وتحليلها عبر المقارنة التاريخية. ولم يكتف الفن الحديث بإنتاج الأشياء والصور، بل نظر أيضاً في حقيقة الأشياء وبنية الصورة. فضلاً عن ذلك، لا تستضيف متاحف الفنون الفعاليات الفنية الجارية فيها فحسب، بل هي أيضاً وسيلة لتأريخها والبحث فيها. وإذا كان الفن الحديث قد بحث في طبيعة الأشياء وحللها، فإن الفن المعاصر يفعل الشيء نفسه في علاقته بالأحداث. ويتخذ هذا أشكالاً مختلفة تتلخص في التأمل في العلاقة بين الحدث وتوثيقه، على غرار التأمل في العلاقة بين الأصل وإعادة إنتاجه الذي كان يشكل محوراً مركزياً لفن الحداثة وما بعد الحداثة. اليوم، يتزايد توثيق الفن بشكل مستمر، كما درجنا على توثيق العروض الأدائية والمعارض والمحاضرات والحفلات الموسيقية وغيرها من الفعاليات الفنية التي اكتسبت أهمية أكبر في إطار الفن المعاصر.
نرى اليوم توثيقاً لأعمال الفنانين الذين يعملون بطرق أكثر تقليدية لأنهم يستخدمون الإنترنت أو الكمبيوتر أثناء عملهم، ما يوفر إمكانية تتبع عملية إنتاج الفن من بدايتها إلى نهايتها. هنا تبدأ الحدود التقليدية بين إنتاج الفن وعرضه في الاختفاء. تقليدياً، يعمل الفنان في مرسمه، يغيب عن أعين الجمهور، ثم يعرض المنتج كعمل فني يتكثف فيه وقت الغياب. وهذا الوقت من الغياب هو بالضبط ما نسميه العملية الإبداعية. يروي أندريه بريتون قصة عن شاعر فرنسي وضع على باب منزله، لافتة كتب عليها: "من فضلك، اصمت - الشاعر يعمل." تلخص هذه الحكاية الفهم التقليدي للعمل الإبداعي الذي يجب أن يتم في غياب السيطرة العامة، وحتى في غياب السيطرة الواعية للمؤلف. قد يستمر هذا الوقت من الغياب أياماً أو شهوراً أو سنوات أو مدى الحياة. في نهاية فترة الغياب يقدم المؤلف عمله (ربما وجد في أوراقه بعد وفاته) ليتم اعتباره إبداعياً تحديداً لأنه بدا وكأنه نشأ من العدم.
ولكن الإنترنت والكمبيوتر بشكل عام هما مكان للعمل الجماعي يمكن ملاحظته ومراقبته. يكثر الحديث عن الإنترنت بوصفه تدفقاً لا نهائياً للبيانات يتجاوز حدود سيطرتنا. ولكنه في واقع الأمر آلة تعمل على وقف تدفق البيانات. يعمل الإنترنت بالكهرباء، وهي طاقة محدودة قابلة للقياس، ما يعني أن الإنترنت لا يمكنه دعم تدفق لا نهائي للبيانات. يسري الأمر ذاته على بنية الإنترنت من حيث الكابلات والمحطات الطرفية وأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة وغير ذلك من المعدات التي تستند كفاءتها إلى محدوديتها وقابليتها للقياس، وبالتالي إلى قابليتها للمراقبة. وبالتالي، الإنترنت في جوهره هو آلة مراقبة تقسم تدفق البيانات إلى عمليات أصغر يمكن تتبعها. وبالتالي تعرض كل مستخدم للمراقبة والشفافية — سواء كانت حقيقية أو محتملة.
إن المعارض المتحفية المعاصرة مليئة بالتوثيق لأحداث فنية سابقة، تُعرض جنباً إلى جنب مع الأعمال الفنية التقليدية. يحول المتحف توثيق حدث قديم إلى عنصر في حدث جديد. ويكتسب هذا التوثيق راهنية جديدة، وبالتالي هالة جديدة. ولكن على عكس إعادة الإنتاج، لا يمكن دمج التوثيق بسهولة في الراهنية. إن توثيق حدث ما ينتج دائماً حنيناً لحضور ضائع ولا يمحو بالضرورة الفرق بين الماضي والحاضر، بل يجعله أوضح. سابقاً، وصف هايدغر العالم برمته باعتباره حدثاً مسرحياً للوجود. وكان يعتقد أننا لا نستطيع الوصول إلى فهم هذا الحدث إلا إذا قدم لنا الوجود نفسه هذه الإمكانية، والمتحف اليوم هو مكان ذلك ولو بشكل مصطنع.
مؤخراً، أقيم معرض استعادي لمعرض زيمان "عندما تتحول النزعات إلى أشكال" When Attitudes Become Form (1969) في بينالي البندقية في مؤسسة برادا. كانت استعادة احترافية للغاية — أثارت موجة جديدة من النوستالجيا. اعتقد بعض الناس أنه سيكون من الرائع العودة إلى الستينيات واختبار الأجواء الرائعة لذلك الزمن. كما فكروا أيضاً في مدى فظاعة كل شيء في البينالي نفسه بكل ضجيجه، مقارنة بسمو معرض زيمان. في الوقت نفسه، وجد الزوار الأصغر سناً المعرض غير مثير للإعجاب، ولم يعجبهم سوى المرشدات بملابس برادا.
إن الموقف التأويلي التقليدي للفن يتطلب من المتفرج الخارجي اختراق العمل الفني لكشف النوايا الفنية أو القوى الاجتماعية التي أعطت العمل الفني شكله، أي من خارج العمل الفني إلى داخله. على النقيض من ذلك، فإن نظرة زائر المتحف المعاصر موجهة من داخل الحدث الفني إلى خارجه: نحو المراقبة الخارجية المحتملة لهذا الحدث وعملية توثيقه، وموقع هذا التوثيق في الفضاء الإعلامي والأرشيفات الثقافية. يتسم النظام الفني عموماً بعلاقة غير متماثلة بين نظرة المنتج والمتفرج. وهاتان النظرتان لا تلتقيان إلا نادراً. في الماضي، كان الفنانون يفقدون السيطرة على نظرة المتفرج بعد العرض. كانت نظرة المتفرج في ظل ظروف المتحف التقليدي في وضع السيطرة، وإن كان القائمين على المتحف قادرين على التلاعب بهذه السيطرة إلى حد ما. ولكن عندما يتحول المتحف إلى سلسلة من الأحداث، تفقد نظرة الزائر سيطرتها، إذ يجد نفسه داخل الحدث.
ولهذا السبب، عندما نزور معارض المتاحف المعاصرة، نواجه حقيقة مفادها أن الزمن لا يمكن عكسه، إذ نعلم أن هذه المعارض مؤقتة. إن زرنا المتحف نفسه بعد فترة زمنية معينة، فإن الأشياء الوحيدة التي ستبقى هي الوثائق: كتالوغ، أو فيلم، أو موقع على شبكة الإنترنت. ولكن ما تقدمه لنا هذه الأشياء لا يتناسب بالضرورة مع تجربتنا الخاصة لأن منظورنا غير متطابق مع نظرة الكاميرا. وهذا هو السبب وراء نوع معين من الحنين الذي نشعر به بالضرورة عندما نواجه وثائق الأحداث الفنية الماضية، سواء كانت معارض أو عروض أدائية. وهذا الحنين يثير الرغبة في إعادة تمثيل الحدث كما وقع.
يذكرني الحنين الذي يثيره توثيق الفن بحنين فناني القرن التاسع عشر إلى الطبيعة، حيث كان الفن توثيقاً للتجارب الجمالية السامية للطبيعة. حينها بدا توثيق هذه التجارب من خلال الرسم أكثر إحباطاً لا أكثر أصالة. وبعبارة أخرى، إن كانت استحالة الرجوع بالزمن لاختبار حدث ما صفة أصيلة للطبيعة ذات يوم، فقد أصبحت اليوم من التجارب المميزة للفن المعاصر. وهذا يعني على وجه التحديد أن الفن المعاصر قد أصبح وسيلة للبحث في الأحداث قيد حدوثها: الأنماط المختلفة للتجربة المباشرة للحدث وعلاقتها بالتوثيق والأرشفة والأنماط الفكرية والعاطفية لعلاقتنا بالتوثيق، وما إلى ذلك. ومع تحول البحث في الأحداث إلى الشغل الشاغل للفن المعاصر بشكل عام، ومتاحف الفن المعاصر بشكل خاص، فلا معنى لإدانة المتحف لتنظيمه للأحداث الفنية. على العكس، فقد أصبح المتحف اليوم أداة التحليل الرئيسية لعرض وتحليل الحدث باعتباره حدثاً طارئًا لا رجعة فيه — في حضارة تخضع للسيطرة الرقمية وتقوم على تتبع آثار وجودنا الفردي وتجعل كل شيء قابلاً للحفظ والارتجاع و من ثم السيطرة. المتحف هو مكان لا تدور فيه الحرب غير المتكافئة بين النظرة البشرية العادية والنظرة المسلحة بالتكنولوجيا فحسب، بل هو أيضاً المكان الذي يمكن فيه فهمها والتنظير لها بشكل نقدي.